مساحة إعلانية
من الطبيعي عندمـا يجيء ذكـر البرديـات في ديــوان شعـر، أن يكـون الإهـداء إلى مصر، فجـر النـدى والضميـر، فالبـرديـات عنـد قدمـاء المصريين، وسيلـة للكتـابـة والتوثيق، استخدمها القدماء كبديـل للـورق، لتسجيل المراسيم والقوانين، ووسيلة للمراسلات والمكاتبات الرسمية .
وقـد لعبت البـرديـات دورا كبيـرا فى حفظ العلــوم والريـاضيـات والفلك والهنـدسـة والنصوص الدينية والأدبية والحِكَم والمواعظ، إذا لم يختـر الشاعر حسنى الإتلاتى كلمة بردية، لتكون ضمن مكونات عنوان ديوانه " برديات جديدة للفلاح الفصيح" الفائـز بالمركـز الأول فى مسابقة أشـرف بديـر الأدبيــة، فـرع شعـر الفصحى، عام ٢٠٢٤، كاسم والسلام، فالكلمة لهـا دلالة، فبمجــرد قـراءة كلمـة بردية، يـرتـد بك الزمن إلى القِدٓم، زمن لــم يكن فيــه وسائـل اتصـالات حديثة، وإنما كانت البردية هى وسيلة التواصل .
وكما استدعى الشـاعـر البردية من مصر القديمة، استدعى أيضا من عصر الدولة الوسطى ( ٢٠٠٠ قبـل الميـلاد ) شخصيـة خـون ـ إنبـو ، الفــلاح الفصيـح، الذى تعرض للظلم، عندمـا استولى أحـد الموظفين على بضاعتـه، فكانت وسيلته للدفـاع عن حقـة، الكلام وكتابـة الشكـوى، وهذا هــو الدور الذى يقـوم به الشاعر، إذ أنـه كفصيح ينوب عن البسطـاء، فيكتب ليرفع شكاواهم للمسؤولين .
إذن جـاء استخـدام الشاعر للبردية والفلاح الفصيح، لتهيئة القارئ لقراءة شكاوى البسطاء بروح العصر .
ليس شرطــا أن تنحصر الشكـاوى فى التظلـم من الحيـاة المعيشية، أو من التعـدى على الحقوق، فقد تكون شكوى من جرح حبيب أو طعنة صديق .
ففى أول بردية ، المعنونة ببردية السلام ، يخط الشاعر شكواه ...
" سلمى روحى لروحى
انثرى قلبى
على قلبى
وردى جسمى المنهك من برد
السلام " .
وبعيـدا عن التوجـه بالشكـوى إلى القاضى أو الحاكـم ، يتوجـه الشاعر بشكواه إلى الله ...
" لم ياربى كتبت على قلبى محبتها
محبتها سقام
صيرتنى
وأنا الشيخ المعمم
مثل طفل حول البيت حطاما
حين فاجأه الفطام " .
وفى بردية الحنين يتأوه الشاعر بهذه الكلمات
" آه
كل حنين صادف وطنا
صار حلالا
كل حنين للأحباب
يعادل عمرا يا أحبابى " .
يقسّم الشاعر الديـوان إلى ستة أبواب ، كل باب يضم مجموعـة من البرديات، التى تتوافق فى الخط ، فهناك برديـة الطفولـة وبرديـة الاحتـواء وبردية العـزاء وبردية الغريب ، فمن برديات الباب الثانى نقرأ من بردية الطريق هذه الشكوى ...
" أتعبنى السير على قدمي
طريقى أطول من صبر ولي
أقصر من قهر العربي
ماكنت نبيا كى أغفر أخطاء العالم
آه لو كنت نبي !
أهتف حين الحرب اشتدت
لى أهل كثر عند الطعنة قلّوا
ورفاق أجمل من جرح
عند الضرب تخلوا " .
على الرغـم من أن البـرديـة عند قدمـاء المصريين، كان كاتبهـا يسهب فى الشـرح والتطويل، حتى أن الفـلاح الفصيـح كان يتبـارى بفصاحتـه فى إلقــاء الخطب أمام القاضى وكبار المسؤولين، إلا أن حسنى الإتلاتى، يكتب بردياته بشكل مكثف،بعيـدا عن التبـارى بفصاحتـه ، برغـم أنه درس اللغة العربية، فهو حاصل على ليسانس آداب لغة عربية من جامعة المنيـا، مسقط رأسـه عــام ١٩٩٣، ويعمـل فى وظيفـة معلـم خبير لغــة عربيــة بأســوان، فقصائــد الديـوان لا هى قصيرة ولا هى طويلة
لا أقصـد بالطــول أو القصر حجـم القصيـدة وعـدد أبياتهـا، فالقصائـد ليست قماشة تقاس بالمتر، وإنمـا أقصـد التركيـز فى اختيـار اللغـة وصيـاغـة مفـردات القصيــدة وتوظيفهـا فيمـا يخـدم القصيـدة وينـأى بهــا بعيـدا عن التـرهـل، فالقـارئ لقصائد الشاعر حسنى الإتلاتى، يمكنه أن يستخرج من القصيدة الواحـدة أكثـر من ومضـة شعرية، كما هو واضح فى بردية الأمل ...
" هذا الصباح أفقت يا ليلى حزينا بامتياز !
بحثت عن نظارتى تلك الثقيلة
لم تجدنى .
النور قاطع
قد تعثرت كثيرا
ووقفت
تعثرت وقفت تعثرت
ربما المشوار أطول من
طبيعته الحقيقة
غير أن الدرب للماشى قصير .
من أعان على طريقى
غير سيقانى الضعيفة
غير قلبى
ورفاق طيبين
ليس يرضيهم تأخرنا كثيرا " ؟
وكمـا كتب القدمـاء لموتاهـم كتاب الموتى، كتب الشاعـر حسنى الإتلاتى فى البــاب الثالث برديات الرثاء الموت والخلـود، فكتب فى بردية النيل، يرثى والده قال ...
" قل للذى قد قال مت
وأن شمسك للأفول مضت
وعطرك للذبول
هاتوا الدليل
ومتى يموت الطيبون
هل مات النيل " ؟
ولا يكتفى الشاعر ببرقيـة رثـاء للأب، بـل يبعث ببرقيـات رثاء إلى ابنة عمته وإلى الشاعر الجنوبي المناضل رمضان عبدالعليم، وشهداء الواجب فى سيناء .
وكمــا بـدأ الشاعـر ديـوان البرديـات بإهـداء لمصـر، يختـم ببـرديـة فى حب الوطن نجتزئ منها هذه الومضة، بل ونردد مع حسنى الإتلاتى ...
" أنا سوف ألعن كل من مروا
على أرضى ولم يلقوا السلام " .