مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

النبي الهاشمي .. بقلم محمد فتحي السباعي

2026-02-27 03:27 PM  - 
النبي الهاشمي .. بقلم محمد فتحي السباعي
محمد فتحي السباعي
منبر

يجلس ﷺ في الغار، صامتًا، عيناه تتوهجان ببريق الوحي الذي لم يأتِ بعد، قلبه يرقص بين فرحة النور وحزن البشر العابدين للأصنام. العرق الطاهر يسيل على خديه، يحمل بين قطراته دعاءً وسؤالًا عن عباده، عن من يفتح قلوبهم للنور، وعن من سيبقى في الظلام.
خديجة الطاهرة تقترب، تلمس كتفه، تعانقه بسلام، وتغلق على قلبه كل قلقه، كأنها تقول: «لن تضيع رسالتك أبدًا، والرب معك». يرفع وجهه للسماء، يسمع همس جبريل في روحه، ويعرف أن القرآن، كتاب الرحمة، سيصل لكل قلب مستعد لاستقباله.
يخرج ﷺ من الغار، يلمح الصحابة، يمد إليهم يده، يطبطب على كل قلب متعب، دموعه تتساقط على وجوههم، تغسل الحزن من قلوبهم، وتفتح لهم أبواب الأمل. الأرض تحت خطاه تتوهج، النجوم تلمع، والريح تحمل صدى كلام الله. كل خطوة هي نور، كل كلمة هي حياة، وكل دمعة هي بركة.
يرى ﷺ الأصنام، يدهش من عبادة القوم لها، لكنه صامت، مطمئنًا أن النور سيأتيهم يومًا. قلبه ملهوف لنشر رسالة الله، روحه تهتف لكل مَن حوله: «يا عباد الله، الله موجود، نور الله لكل من ينظر إليه، والحق سيظهر ولو بعد حين».
ينام قليلاً، لكنه لا يغفل عن الصحبة، يقوم في الليل، يمشي مع الأصحاب، يقرأ القرآن، يطبطب على الحزانى، يبكي معهم، يواسيهم، ينقل لهم الطمأنينة. دموعه هي نور، صوتهم هو ارتياح، وكل حركة من حركاته رسالة رقيقة، تحمل الحكمة، والمحبة، والهدى.
يسير ﷺ، يصلي فجأة على الطرقات، يسجد لله بخشوع، يعلم الصحابة أن القرب من الله لا يحتاج إلى زمان محدد، أن العبادة دائمًا قلب وروح. يقف أمام الأشجار، يستند إليها، يسمع نسيم السماء، يرى الأشجار تتمايل، وكأن الكون كله يشارك في صلاة واحدة.
وفي النهار، يخرج، يسند على الصحابة، يذكرهم بآيات الله، يفتح لهم أبواب الفهم، يغمرهم بالرحمة، ويدعو لكل ضائع، لكل قلب متعب، لكل نفس تبحث عن النور. يلمح الشمس الطاهرة في عنيه، يرى قلوب البشر تتغير، يراها تتحرك نحو الحق، رغم بطء الطريق وصعوبة البشر.
كل حركة، كل كلمة، كل دمعة، كل ابتسامة، هي نور يُرسل لكل الأرض. الأصنام تبقى صامتة، لكن القلوب تتحرك، والسماء تنصت، والريح تحمل صدى القرآن. ﷺ يعلمهم، يرشدهم، يحن عليهم، يرفع قلوبهم من الخوف والظلام إلى أفق الرحمة والسكينة.
وفي غار الغار، يعود ﷺ للتأمل، ينتظر الوحى، يسمع نداء جبريل، يقبله في قلبه، ويبلغه للناس. كل حرف من القرآن هو مفتاح لكل باب مغلق، كل آية هي ماء على قلوب العطشى، كل سورة هي شعاع للنور في الأرض والسماء.
وفي مكة، يواجه الصحابة الكفار، ينصحهم، يربي النفوس، يحمل في قلبه الصبر والرحمة. يحضن خديجة، يطمئن قلبها، يرسل لها سلام الله، ويغمرها بحنانه. روحه مع الأصحاب، مع الأرض، مع السماء، مع كل من يحب الله ويريد الحق.
ويبدأ طريق الهجرة، كل خطوة هي رسالة، كل نظرة هي نور، كل حركة هي قرآن حيّ، يحمل الصحابة، يحمل الأمة، يحمل الإنسانية كلها نحو الحق. الكون كله يرافقه، النجوم، الشمس، الريح، الأرض، حتى الصمت، كل شيء يضيء من نور رسوله ﷺ.
كل من يراه، كل من يسمع صوته، يشعر بأن الله حاضر، وأن الحب والرحمة والهدى في كل حرف وكلمة وحركة. ﷺ يعلّم بالقدوة، يربي بالرحمة، يهدى بالنور، ويغمر الكون بحضوره المبارك.

مساحة إعلانية