مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

المشروعات الصغيرة… قاطرة النمو الصامتة بقلم :شحاته زكريا

2026-02-16 01:20 PM  - 
المشروعات الصغيرة… قاطرة النمو الصامتة بقلم :شحاته زكريا
شحاتة زكريا
منبر

في صخب الأرقام الكبرى والمشروعات العملاقة والاستثمارات التي تقاس بالمليارات قد تمر المشروعات الصغيرة دون ضجيج. لكنها في الحقيقة تمثل القلب النابض لأي اقتصاد حي والرافعة التي تحمل على عاتقها عبء التشغيل وتحريك الأسواق وصناعة طبقة منتجة تعرف قيمة العمل وتدرك معنى المخاطرة .. المشروعات الصغيرة ليست مجرد محال تجارية أو ورش حرفية أو شركات ناشئة تبحث عن موطئ قدم. هي فلسفة اقتصادية كاملة تقوم على تمكين الفرد وتوزيع فرص النمو جغرافيا واجتماعيا وتوسيع قاعدة الإنتاج بدل تركزها في أيدي كيانات محدودة. هي الاقتصاد حين يقترب من الناس ويصبح جزءا من يومهم لا خبرا في نشرات المال والأعمال .. في الدول المتقدمة تمثل هذه المشروعات النسبة الأكبر من إجمالي عدد الشركات وتوفر النصيب الأوسع من فرص العمل. والسبب بسيط: لأنها أكثر مرونة وأسرع استجابة لتحولات السوق وأقدر على الابتكار في حدود إمكاناتها. فهي لا تحتاج إلى سنوات من التخطيط لتغيير مسارها بل يكفيها قرار شجاع من صاحبها لتبدأ مرحلة جديدة .. في واقعنا الاقتصادي تكتسب المشروعات الصغيرة أهمية مضاعفة. فهي تفتح أبواب العمل أمام الشباب وتمنح المرأة فرصة للاندماج الاقتصادي وتدعم الاقتصاد المحلي في القرى والمدن البعيدة عن المراكز الكبرى. كما أنها تمثل حلقة مهمة في سلاسل التوريد للصناعات الكبرى بما يعمّق التصنيع المحلي ويقلل الاعتماد على الواردات .. غير أن هذه القاطرة الصامتة لا تتحرك بكامل طاقتها دون بيئة داعمة. فالتحديات التي تواجه أصحاب المشروعات الصغيرة ليست قليلة: صعوبة الحصول على التمويل بشروط ميسرة تعقيدات إجرائية نقص في التدريب الإداري والتسويقيومنافسة غير عادلة أحيانا من الاقتصاد غير الرسمي. وهنا يتجلى دور الدولة في تبسيط الإجراءات وتوفير مظلة تمويلية عادلة وتقديم حوافز تشجع على التحول إلى الاقتصاد الرسمي بدل الهروب منه.
الدعم لا يعني الإعفاء الدائم بل التمكين الحقيقي. تمكين عبر تدريب مهني حديث وربط التعليم الفني باحتياجات السوق وتوفير منصات للتسويق الرقمي وفتح أسواق خارجية للمنتجات القادرة على المنافسة. فالمشروع الصغير حين يمنح الأدوات الصحيحة يتحول من نشاط محدود إلى نواة لشركة أكبر، وربما إلى قصة نجاح ملهمة .. كما أن نشر ثقافة ريادة الأعمال بات ضرورة. فالمجتمع الذي ينتظر الوظيفة فقط يضيق بأحلام شبابه بينما المجتمع الذي يشجع المبادرة الفردية يوسع أفق الفرص. المطلوب ليس أن يصبح الجميع رجال أعمال بل أن تتاح الفرصة لمن يملك الفكرة والقدرة على التنفيذ دون أن تعرقله البيروقراطية أو ترهقه التكلفة قبل أن يبدأ ..اقتصاديا كل مشروع صغير ناجح يعني أسرة مستقرة ودخلا منتظما وحركة بيع وشراء في محيطه. ومع تراكم هذه الدوائر الصغيرة يتشكل أثر كبير في الناتج المحلي وفي معدلات التشغيل وفي تقليل الفجوة الاجتماعية. النمو لا يحدث فقط عبر قفزات ضخمة بل عبر خطوات صغيرة متكررة تحدث فرقا تراكميا لا يستهان به.
لكن الرهان الحقيقي لا يقتصر على الأرقام بل على الثقة. ثقة الدولة في قدرة مواطنيها على الإنتاج وثقة المواطن في أن جهده لن يضيع وأن النظام الاقتصادي يكافئ المجتهد ويحمي الملتزم. حين تتعزز هذه الثقة تتحول المشروعات الصغيرة من مجرد أنشطة فردية إلى تيار وطني واسع يدفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام .. المشروعات الكبرى ترفع المباني العالية أما المشروعات الصغيرة فترفع قاعدة الهرم كله. الأولى تلفت الأنظار والثانية تثبت الأقدام. الأولى تعلن عن نفسها بالأضواء والثانية تعمل في صمت لكنها لا تقل أثرا ولا قيمة .. وفي النهاية إذا أردنا نموا حقيقيا مستداما فعلينا أن نصغي جيدا إلى هذا الصوت الهادئ. فبين ورشة صغيرة في حي شعبي ومزرعة ناشئة في قرية بعيدة ومتجر إلكتروني يديره شاب من منزله تتشكل ملامح اقتصاد أكثر تنوعا وصلابة .. المشروعات الصغيرة ليست هامشا في قصة التنمية بل متنها الحقيقي. هي القاطرة التي قد لا تحدث ضجيجا لكنها إن تحركت بقوة جرت خلفها قطار المستقبل كله… ومن يراهن عليها اليوم يراهن على وطن يصنع نموه بيديه لا ينتظره من أحد.

مساحة إعلانية