مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الكاتبة همت مصطفى و "حوار مع مبدع إنسان" مع الشاعر عصام مهران

2026-01-19 07:45 PM  - 
الكاتبة همت مصطفى و "حوار مع مبدع إنسان" مع الشاعر عصام مهران
حوار مع مبدع إنسان
منبر

المقدمة

في زمنٍ يعلو فيه الضجيج وتكثر الأسماء، يظل بعض المبدعين يمشون على مهل، كأنهم يعرفون أن الأثر لا يُقاس بالصوت، بل بما يتركه في الروح.

عصام مهران واحد من هؤلاء؛ شاعرٌ لم يفصل الإبداع عن الإنسان، ولم يتعامل مع الكلمة بوصفها زينة لغوية، بل مسؤولية أخلاقية وجمالية في آنٍ واحد.

من صعيد مصر، حيث تتربّى المعاني على الصبر، وتُكتب الحكايات من قلب الأرض لا من هوامشها، تشكّل وعيه الإنساني والإبداعي، بين الطفولة، والتعليم، والعمل الثقافي، وأدب الطفل، والاشتباك اليومي مع سؤال: كيف نبني إنسانًا لا يخون دهشته الأولى؟

في هذا الحوار، لا نقترب من الشاعر فقط، بل من الابن، والمعلّم، والزارع، والمحب، ومن تلك المساحة الشفيفة التي يقف فيها الإبداع شاهدًا على الحياة… لا بديلًا عنها.

 البدايات والتكوين

* لو طلبتُ منك أن تخلع كل الألقاب: شاعر، كاتب، محاضر…

من يكون عصام مهران كما يرى نفسه في لحظة صفاء؟

▪▪أنا إنسان يحاول أن يبقى وفيًّا لدهشته الأولى.للنيل والأرض ووجه أمى وأبي؛ ابنُ حياةٍ بسيطة، يتعثر كثيرًا لكنه ينهض لأنه لا يعرف طريقًا آخرولا يحب التوقف ولا يطيق الحزن والألم. لستُ شاعرًا طوال الوقت، ولا كاتبًا دائمًا؛ أنا شخص يتأمل، يُصغي، ويخاف من أن يمر العمر دون أن يترك أثرَه في نفس كل من يقابله؛ يقرأ له؛ يستمع لشدوه وأغانيه.. أحب الأطفال والحياة والسفروالتأمل؛ أحب اللين الرحمة.

* نشأتَ في صعيد مصر، حيث القسوة أحيانًا تصنع الصلابة…

كيف شكّل الصعيد وعيك الإبداعي والإنساني؟

▪▪الصعيد علّمني الصبر والاقتصاد في الكلام، وعلّمني أن المعنى لا يحتاج إلى زينة. القسوة هناك ليست قسوة قلوب، بل قسوة حياة، ومن ينجُ منها يخرج أكثر التصاقًا بالإنسان. الصعيد جعلني أكتب من الداخل، أتعايش مع الحدث؛ أرى وأجعل الحدث تاريخا أدبيا بصدق؛ أرى من قلب المكان؛ لا من الهامش.

* بين الآداب والتربية، أيهما اختارك أولًا؟ وكيف تصالحا داخلك؟

▪▪الآداب اختارت لغتي، والتربية اختارت ضميري. تصالحا داخلي حين أدركت أن الكلمة مسؤولية، وأن التعليم بلا حسّ جمالي جاف، والإبداع بلا وعي تربوي خطر.

* ماذا بقي في ذاكرتك من طفولتك حتى الآن؟

▪▪بقي الخوف الأول، والفرح البسيط، ورائحة الحقول، وصوت أمي وهي تطمئننا أن الغد سيكون أفضل حتى لو لم تكن تملك دليلاً. لكن كنا نملك وجهها وصوتها وقطرات العرق على جبينها تنزل فى ماجور العجين لتطعمنا أشهى وأطعم رغيف.

* لك إصدارات وتجارب إبداعية متعددة، بين الكتابة والعمل الثقافي، كيف تنظر اليوم إلى مشروعك الإبداعي ككل؟ وما العمل الأقرب إليك ولماذا؟

▪▪أراه مشروع إنسان قبل أن يكون مشروع كتب. أقرب الأعمال إليّ تلك التي كُتبت بصدق، لا تلك التي لاقت صدى. النص الذي أشعر أنه أنقذني في لحظة ما، هو الأقرب. ربما كانت نصوص الأطفال أغلاها وأحلاها؛ ربما كانت الجوائز غير المتوقعة تجعلني أشعر بقيمة عملي؛ فأنا أكتب الإنسان ولا أكتب للجوائز.

 الإبداع وأدب الطفل

* تكتب للطفل والناشئة في زمن يستخف كثيرون بعقولهم…

ما الخطأ الأكبر الذي يقع فيه من يكتب للطفل؟

▪▪الاستخفاف بعقله أو التحدث من أعلى. الطفل ذكي بالفطرة، يميّز الصدق من الزيف، ويكره الوعظ حتى لو لم يقل ذلك. كثير من الكتاب يتحولوا للكتابة للطفل تقليدا أو مجاراة مثلا ؛ سبب فشلهم أن الطفل أذكى مما اعتقدوا لأنه يحس ويتذوق أولا بمنتهى الصدق و يقرر وحده ما الجيد ؛ رأيت ذلك واقعا فى الندوات التفاعلية وفى ورش الكتابة أو الموهوبين..الكتابة للطفل أمر شاق وسنوات من القراءة والخبرة والثقافة المتنوعة وعلم النفس بشتى جوانبه.

* في أعمالك للأطفال حضور واضح للقيم دون مباشرة…

كيف توازن بين الرسالة والمتعة دون أن يتحول النص إلى وعظ؟

▪▪أجعل القيمة جزءًا من الحكاية، لا شعارا فوقها. حين يستمتع الطفل، تصل الرسالة وحدها.

* هل تخاف على الطفل من العالم… أم تخاف على العالم من غياب الطفل داخله؟

▪▪أخاف على العالم من غياب الطفل داخله. حين نفقد براءتنا، نصبح خطرًا على كل شيء.

* ما الذي تعلّمته من العمل المباشر مع الأطفال أكثر مما تعلّمته من الكتب؟

▪▪تعلّمت أن الإصغاء أهم من الكلام، وأن الأسئلة الصادقة لا تحتاج إجابات جاهزة.

الدرس الأكبر هو الحب؛ لهفة العيون؛ المردود الفوري والقبول بما أقدم..الأطفال علموني كثيرا كثيرا.

 الإنسان خلف المبدع

* كثافة النشاط الثقافي قد تُخفي إرهاقًا لا يُرى…

متى شعر عصام مهران بالإنهاك؟ وكيف نجا؟

▪▪حين شعرت أنني أُعطي أكثر مما أحتمل. نجوت بالانسحاب المؤقت، وبالعودة إلى الأرض، وبالصمت.

* لم تكتفِ بالكتابة، بل ذهبتَ إلى التأسيس والتدريب واكتشاف المواهب…

متى قررت أن يكون الإبداع فعلَ خدمة عامة؟

▪▪حين رأيت موهبة صغيرة تلمع فقط لأن أحدًا آمن بها. عندها فهمت أن المعرفة التي لا تُشارك مع الأخرين تموت. حين آمنت بأن خدمة الوطن هى نشر محبته ورعايته بكل الجوانب المعرفية والثقافية ؛ حين أيقنت أن هوية مصر عظيمة جدا و يجب أن تظل عظيمة.

* هل تشعر أن الدولة تدرك فعليًا خطورة وأهمية الثقافة في بناء الإنسان؟

▪▪تدركها نظريًا، لكنها لم تترجم ذلك بما يكفي على الأرض، خصوصًا في الأطراف.

هناك أمور كثيرة مازلت فى صندوق المعاناة  والشكوى.

«فاطمة»… الحضور الذي لا يغيب

«هناك أشخاص لا يغادرون حياتنا حين يرحلون، بل يغيّرون شكل حضورهم فيها…»

* كنتَ تصف والدتك «فاطمة» بأنها صديقة رحلة كفاحك…

كيف صنعت هذه الصداقة ملامح عصام الإنسان قبل المبدع؟

▪▪أمي كانت مرآتي الصافية. أمى صديقتى الأولى وحبى الأول وخزانة أسرارى؛ عشنا معا كل الظروف وكل المعاناة وكل الفرح؛ كان أبي يعتمد عليها قبلنا؛ فاطمة شيخة العرب وسيرة المحبة والوداد؛ علمتني أن القوة ليست صخبًا، بل احتمال.

* بعد رحيلها، كيف تغيّر معنى القوة داخلك؟ وماذا بقي منها يسندك في اللحظات الصعبة ؟

▪▪صارت القوة أن أواصل دون بكاء، وأن أكون كما كانت تحب.

* هل أثّر غيابها في لغتك الإبداعية أو في علاقتك بالحزن والكتابة؟

▪▪نعم، صارت اللغة أبطأ، أعمق، وأقرب إلى الهمس.

* لو أتيح لك أن تكتب لها الآن سطرًا واحدًا.. ماذا يقول عصام لفاطمة؟

▪▪ما زلتُ أحاول يا أمي أن أكون الرجل الذي لم تخافي عليه.

 العائلة والاختيار الشخصي

* اخترتَ مبكرًا أن تقف سندًا لأسرتك بعد رحيل والدك…

كيف تنظر اليوم إلى هذا الاختيار؟ وهل كان قدرًا أم قرارًا؟

▪▪كان قدرًا اتخذ شكل قرار. لم أندم، رغم الثمن.

 الأرض والاتزان

* إلى جانب الكتابة، لك علاقة خاصة بالأرض؛ تزرعها وتحصدها بنفسك…

ماذا تمنحك الأرض مما لا تمنحه الثقافة؟

وهل ترى في الزراعة نوعًا آخر من الكتابة؟

▪▪الأرض تعيدني إلى إيقاع الحياة الحقيقي. نعم، الزراعة كتابة بيدين معروقتين من أثر الفأس؛ الكتابة زراعة على الورق ونمو ونماء .الأرض تعنى التأمل ببطء والرعاية الدائمة والتخلص من الزوائد دائما.

 بيت إيزيس للثقافة

* أسستَ بيت إيزيس للثقافة وحقق حضورًا لافتًا لعدة سنوات…

ماذا أضافت لك هذه التجربة؟ وما أهم ما تعلّمته منها؟

▪▪علّمتني الإدارة، والصبر، وأن لاحدود للحلم.

* رغم هذا النجاح، توقّف النشاط فجأة…

ما الأسباب الحقيقية وراء التوقف؟

وهل كان قرارًا شخصيًا أم نتيجة ظروف أوسع

▪▪لأسباب شخصية وعامة معًا. أحيانًا تتقدّم الحياة على الفكرة. أحيانا تنهي الفكرة النظرة العميقة للناس وللظروف.. لكن سنعود؛ فقط أحاول أن نتشابك معا نحن أصحاب الفكرة الأولى.

 الوسط الثقافي: قراءة ورؤية

* كيف تقيّم دور اتحاد كُتّاب مصر وقصور الثقافة في صعيد مصر تحديدًا؟

وهل يقومان بدورهما الحقيقي في احتضان المبدعين، أم أن الفجوة ما زالت قائمة بين المركز والأطراف؟

▪▪الجهد موجود، لكن الفجوة ما زالت كبيرة. المركز لا يرى الأطراف كما يجب.

* من موقعك داخل المشهد الثقافي، كيف ترى الوسط الثقافي المصري اليوم؟

ما الذي يُحسب له، وما الذي يُحسب عليه؟

▪▪مشهد مزدحم بالأسماء، قليل الأصوات الجيدة.

* كيف تنظر إلى انتشار الصالونات الثقافية؟

ومتى تكون إضافة حقيقية، ومتى تتحول إلى استعراض؟

▪▪تكون إضافة حين تصنع حوارًا، وتتحول لاستعراض حين تبحث عن الصورة فقط.

الكثير منها أضر الثقافة لأنها مناخها سيئ و أرضها بور.

* أين يقف النقد الحقيقي الآن؟

وهل الأزمة في النقاد أم في المناخ الثقافي العام؟

▪▪غائب أو محاصر الأزمة في المناخ أكثر من الأفراد.

* لو طُلب منك إصلاح خلل واحد فقط في المشهد الثقافي…

ماذا تختار أن تُغيّر؟ ولماذا؟

▪▪المركزية. لأنها تقتل التنوع.

 المبدع في صعيد مصر

* من واقع تجربتك، هل المبدع الصعيدي مهمَّش فعلًا؟

أم أن الأمر يرتبط بالسعي والحظ معًا؟

▪▪نعم، لكن السعي يصنع فرقًا، الفضاء الرقمي أتاح آلاف النوافذ و أضاف آلاف الفرص؛ يصل الجيد إلى أفاق بعيدة جدا. والحظ يظل عاملًا لا يمكن إنكاره.

 بدون مونتاج

* حلم ثقافي مؤجل؟

▪▪مؤسسة ثقافية حقيقية في الصعيد.

* ماذا تقول لطفل موهوب في قرية بعيدة؟

▪▪لا تصدق من يقول إن المكان عائق.

* تزرع أرضًا… أم تزرع عقولًا؟

▪▪كلاهما حياة.

* لمن تقدّم اعتذارًا؟ ولمن ترسل عتابًا؟

▪▪أعتذر لمن قصّرت، وأعاتب من خذل الحلم.

* ما الذي تخاف ألّا يتذكّره الناس عن عصام مهران؟

▪▪إنسانيتي.

▪وما الذي تتمنى أن يبقى؟

▪▪أثر طيب

* لو تركنا لك المساحة لتكتب سطرًا بلا سؤال… ما الذي كنتَ لتقوله؟

▪▪"نحن لا نكتب لنُخلّد، بل لنفهم لماذا عشنا".

* وما الفكرة التي تمنّيت أن نُثيرها ولم نفعل؟

▪▪فكرة بناء الإنسان معرفيا وثقافيا وكيف يحافظ على الوطن  أمام ما نحن فيه من تحديات عالمية وإقليمية.

 تلغراف

* في لحظة تأمّل صامتة…

لو أُتيح لك إرسال «تلغراف» لمن ترك فيك أثرًا طيبًا لا يُنسى — شعريًا أو إنسانيًا

لمن توجّهه؟ وماذا تكتب؟

▪▪إلى كل من آمن بي في لحظة شك:

ما زال الأثر حيًّا… شكرًا لأنكم لم تمرّوا مرورًا عابرًا.

الخاتمة

حين ينتهي الحوار مع عصام مهران، لا نشعر أننا غادرنا نصًا صحفيًا، بل خرجنا من جلسة إنسانية صادقة، تُعيد ترتيب الأسئلة داخلنا:

عن الطفل الذي نحمله ولا ننتبه لغيابه،

عن الثقافة حين تصبح فعلَ خدمة لا ترفًا،

وعن الأثر الطيب كغاية أخيرة لكل ما نكتب ونفعل.

هنا، لا يدّعي المبدع البطولة، ولا يتجمّل بالحِكم، بل يقف في الضوء كما هو: إنسانًا يخاف، يتعب، ينسحب أحيانًا، ثم يعود… لأن العودة شكل آخر من أشكال الأمل.

وإذا كان لكل حوارٍ خلاصته، فخلاصة هذا الحوار بسيطة وعميقة:

أن الإبداع الحقيقي لا يبحث عن الخلود،

بل عن معنى صادق يجعل الحياة… أقل قسوة، وأكثر احتمالًا.

أُجري هذا الحوار ضمن سلسلة "حوار مع مبدع إنسان" التي تُعدّها وتُقدّمها الكاتبة والشاعرة همت مصطفى، والتي تسعى من خلالها إلى تسليط الضوء على الوجوه الإنسانية للمبدعين الذين يحملون الجمال في أقلامهم وقلوبهم، بعيدًا عن ضجيج الأضواء وقوالب الإعلام التقليدية.

مساحة إعلانية