مساحة إعلانية
المقدمة
في إطار سلسلة «حوار مع مبدع إنسان»، نقترب من تجربة الشاعرة والكاتبة والإعلامية منال الصناديقي، لنحاور الإنسان قبل النص، والرحلة قبل العناوين.
شاعرة قادمة من صعيد مصر، تحمل في كتابتها عمق المكان وصدق التجربة، وتتعامل مع الشعر بوصفه ضرورة وجود لا ترفًا لغويًا.
في هذا الحوار، تتحدث بصراحة عن البدايات، وعن تأثير الأسرة والبيئة، وعن علاقتها بالشعر والنقد والإعلام، كما تفتح نافذة على الجانب الإنساني في تجربتها، حيث تتقاطع الكتابة مع الأمومة، والحلم مع الوجع، والإبداع مع المسؤولية.
هو حوار يراهن على الصدق، ويمنح القارئ فرصة للاقتراب من صوت شعري يكتب بروح إنسانة.
البدايات والتأثيرات:
*في البداية، كيف تُعرّفين نفسك للقراء؟ نود أن نسمع منكِ عن رحلتك وأبرز محطاتك وأعمالك التي تعتزين بها؟
** أنا شاعرة وكاتبة وإعلامية، في طفولتي ظهرت موهبتي حين كنت أجمع أطفال عائلتي الأصغر مني سناً وأحكي لهم الحواديت من خيالي، وكانوا ينجذبون إليها، ثم جذبتني مكتبة بيتنا العامرة بالكتب الأدبية وأنا في الصف الرابع الإبتدائي، فسحبتني كتب "كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة، والأيام، وغيرها.." إلى بهجة القراءة، دعمتها مجلات الأطفال سمير وميكي ومغامرات المغامرون الخمسة والمغامرون الثلاثة وحكايات ماما لبنى التي كنت أذهب مع أبي لشرائها من باعة الجرائد في الصباح الباكر أو التي كان يأتي بها إلى وهو عائد من القاهرة أحياناً، ففتحت لي أبواب الموهبة على مصرعيها ليسكنني جن الشعر، ويحلق بي في عوالمه المجنونة، حتى أصبحت شاعرة تتمنى أن ترحل عن العالم برتبة إنسانة.
أما أعمالي التي أعتز بها فهى كتبي التي صدرت وهى دواوين (براح، والحلم الخرفان، ومن ضيا البدن)، ومختاراتي الشعرية والتي تحمل عنوان (رسايل)، وكتابي الأخير النقدي (أسرار الوقت وقراءات نقدية أخرى)، بالإضافة إلى بعض الكتب التي لم تصدر بعد.
*نشأتِ في صعيد مصر، وهو بيئة لها خصوصيتها الثقافية والاجتماعية، كيف أثرت هذه النشأة على تكوينك الأدبي؟ وهل انعكست ملامح هذا المناخ في أعمالك الأدبية؟"
**نشأتي في الصعيد أثرت على عمق القصيدة ولغتها لدي، كما ظهرت في بعض قصائدي بعض الشخصيات والأماكن التي لها خصوصيتها في الصعيد، كذلك نشأتي في أسرة تعشق وتقدر قيمة العلم حتى أطلق عليها بيت العلم كان له أكبر الأثر على تكويني الأدبي، وخاصة أن والدي كان محامياً معروفاً يستشهد بالشعر في مرافعاته أمام القضاء ويدعمني بفخره بكتاباتي دائماً، وكذلك عمي أنور الصناديقي الذي كان أديباً ومؤرخاً وكان رفيقي في الأمسيات الشعرية التي كنت أحضرها بنادي أدب ملوي في مطلع شبابي، وكذلك أساتذتي المبدعين الذين كانوا بمثابة الداعم الحقيقي لموهبتنا أمثال الخضري عبدالحميد شيخ أدباء الأقاليم ومحمود ممتاز الهواري شاعرنا الكبير وبهاء القباني وبهاء السيد وغيرهم من كبار مبدعي مصر والذين كانوا من بلدي ملوي.
*كيف كانت بداياتك مع الشعر؟ وما هي العوامل التي أثرت في تشكيل هويتك الشعرية؟
**بدأت أكتب شعراً أو كما تخيلته كذلك في المرحلة الإعدادية، والتي كان يشجعني عليها أبي، ثم تطورت الموهبة ودعمها دراستي في قسم الصحافة بكلية الآداب بسوهاج، وتلك الأمسيات والمسابقات الشعرية التي كانت تزخر بها الجامعة ونشارك فيها كمجموعة من مبدعي القسم، وكذلك تلك الأمسيات التي كنت أحضرها مع مبدعي ملوي بقصر الثقافة هناك والتي كانت بمثابة ورشة عمل أدبية لثقل مواهبنا، ناهيك عن أساتذتنا الذين دعمونا على مستوى الإبداع أو الكتابة الصحفية في الجامعة.
*كيف أثر عملك في المجال الإعلامي على تجربتك الأدبية؟ وهل هناك تداخل بين دورك كإعلامية وشاعرة؟
**بلا شك عملي الإعلامي جعلني أختلط بالجماهير العريضة من جميع المستويات الثقافية والفكرية والإنسانية بالإضافة للكتابة عن الموضوعات الإعلامية والثقافية، وكل هذا يؤثر بالإيجاب على فكر أي مؤلف أو كاتب، كما أن موهبة المبدع تؤثر أيضاً على خصوصية أسلوبه في التعامل مع الجمهور وطرح أفكاره بشكل جاذب ومغاير على الورق، ولذا أعتبر عملي الإعلامي وموهبتي التي منحني إياها الله عز وجل أثرا في بعضهما بالإيجاب.
تجربة النقد الأدبي:
*صدر لكِ مؤخرًا كتاب "أسرار الوقت" الذي يضم قراءات نقدية لعدد من الأعمال الشعرية. ما الذي دفعكِ لخوض تجربة النقد الأدبي؟
**جمال النصوص هى التي استنطقت قلمي للتحليق في عالم النقد والكتابة عن تلك الأعمال.
*كيف ترين دور النقد في تطور الحركة الشعرية؟
**النقد له دور هام جداً لتطور الحركة الشعرية، فهو الذي يقول للشاعر نصك جميل استمر، ويرسل للقراء رسالة بليغة بما خفى عنهم من جماليات النص أو رموزه الفكرية، وهذا في حد ذاته إبداع موازي نحتاجه جميعاً لتطوير أعمالنا الشعرية، بل وأعتقد أن النقد يحتاجه كل فن خُلِق على وجه الأرض لنستنطق جماله ولتقويم ما لم يوفق فيه صاحبه.
تحكيم المسابقات الأدبية:
*شاركتِ في لجان تحكيم العديد من المسابقات الأدبية. كيف تقيمين هذه التجربة؟
**تجربة أعتز بها لأنها جعلتني سبباً في إنصاف مواهب عديدة كانت تستحق الإشادة بأعمالها دون النظر لمن يكون صاحب النص الأدبي، والحمد لله أن هناك أسماء فازت في تلك المسابقات وأصبحت لها خصوصية قلمها الإبداعي من وجهة نظري.
*ما هي المعايير التي تعتمدينها في تقييم الأعمال المشاركة؟
** كان الأساس عندي لتقييم أي عمل إبداعي هو خصوصية الفكرة وجديتها، وعمق الطرح الإبداعي واختلافه الذي يصب في جمال النص، فما الفائدة من تكرار كل ما هو تقليدي، ولذلك كنت أبحث في هذه المسابقات عن كل قلم يختلف عن الأقلام الأخرى بروحه الإبداعية المغايرة.
التكريم والجوائز :
*تم تكريمكِ كشخصية عامة في محافظة المنيا من قبل هيئة قصور الثقافة. كيف كان شعوركِ بهذا التكريم؟ وما هو تأثيره عليكِ كامرأة من صعيد مصر؟
**سعدت جداً بهذا التكريم وشعرته رسالة تقول لي: "تعبك في الحياة العامة لم يذهب هباءً منثوراً"، كما أن هذا التكريم كان دافعاً لمزيد من العطاء.
*حصولك على المركز الأول في مسابقة رابطة الأدباء والشعراء الثقافية الأولى عن شعر العامية عام 2012، كيف أثر ذلك على مسيرتك الأدبية؟
*كان دافعاً آخر لمزيد من العطاء الأدبي وبمثابة ربط على روحي المجهدة من ابتلاءات الحياة.
*هل تشعرين أن هذه الجوائز تضيف مسؤولية إضافية عليكِ كشاعرة؟
**أكيد، لأنها تجعلك تجتهدين أكثر لتصبح قصيدتك أكثر تميزاً وتحرصين على خصوصية قلمك الذي يجعل من يقرأ قصائدك يعلم أنكِ من كتبتيها دون أن يكون اسمك عليها.
الجوانب الإنسانية والوجدانية:
*تتميز قصائدكِ بعمق إنساني ووجداني. كيف تنعكس تجاربكِ الشخصية على كتاباتكِ؟
**تجاربي الشخصية تثقل قصائدي، ليس بالمباشرة للحديث عنها، ولكن بروح التجربة الإنسانية والشعور بالبشر وبالأشياء المؤثرة فيّ وجدانياً، وتضفير كل ذلك بالخيال.. يدعمه الإلهام الذي لا أدري متى يأتي ليستكتب القلم بما أشعر به.
*ما هو الدور الذي يلعبه الشعر في التعبير عن المشاعر الإنسانية؟
**الشعر كله تعبير عن المشاعر الإنسانية وإلا ما كان من يكتب الشعر يسمى شاعراً.
*ما هي الموضوعات التي تجدينها الأكثر إلهامًا لكِ عند الكتابة؟
**ليس موضوعات بعينها؛ ولكن كل ما يلهمني الكتابة هو متاح لقلمي أن يعبر عنه، وكأن إلهام الكتابة عصفور يحلق بروحي ليأخذها لعوالم تجد فيها سعادتها اللامنتهية.
*في قصيدة "فجر"، استخدمتِ رموزًا دينية وتاريخية. كيف توظفين هذه الرموز لتعميق معاني قصائدك؟
** أنا نفسي لا أعرف كيف يحدث ذلك كل ما أشعر به في لحظة الإلهام فكرة ترد في خاطري، تستنطق قلمي فيغوص بين جنبات الورق تدعمه ثقافة فكرية وروحية وأحداث حياتية محيطة بنا وروح شاعرية تخرج قصيدة يراها المتلقي، وهذا ما حدث معي مع قصيدة (فجر) أو أي قصيدة أخرى أكتبها، ولذا أميل إلى مقولة (الشعر يكتبنا ولا نكتبه).
*إلى أي مدى تعكس قصائدك تجاربك الشخصية؟ وهل تجدين في الكتابة وسيلة للتعبير عن الذات والتعامل مع التحديات؟
*ليس كل تجاربي الشخصية تعكسها قصائدي، ولكني أجد أن الكتابة متنفساً رائعاً لكل المهمومين في هذه الحياة، وتحدياً غير تقليدياً للعبور فوق أوجاعها وابتلاءاتها التي لا تنتهي إلى بطلوع الروح.
المرأة في الأدب:
*كيف ترين دور المرأة في الساحة الأدبية المصرية؟
**دور مهم جداً، فهناك موضوعات لا يشعر بها إلا قلب المرأة المبدعة.
*ما هي التحديات التي تواجهها الشاعرات والكاتبات اليوم؟
**تحديات كثيرة جداً أهمها التوفيق بين الاستمرار في الكتابة وبين مهامها الحياتية المختلفة، وبين رفض البعض للمرأة كشاعرة أو كاتبة بحجة أن (الكتابة كلام فاضي، وتتشطرلها في طبخة ولا غسلة أحسن) ولا يدرون أن الكتابة هى الدافع الرئيسي لديها لتقديم كل مهامها الحياتية بمحبة صادقة.
*بين مسؤوليات الأمومة وإبداع الكتابة، يظل التوازن بينهما تحديًا مستمرًا. كيف أثر كونكِ شاعرة وكاتبة على تجربتكِ كأم؟ وهل وجدتِ أن للأمومة انعكاسًا على إبداعكِ الأدبي؟ وكيف تداخل كلا الجانبين في تشكيل رؤيتكِ للحياة وتربيتكِ لأبنائكِ؟"
*الأمومة شيء عظيم جداً يرقق القلب ويسمو بالروح ويبعث في النفس الإيثار، وهذا يصب في رقة المشاعر التي هى أساس الشعر، أرى أن الشعر دعمني لأكون أماً ترعى مصالح أبنائها، والأمومة رققت مشاعري أكثر لأكون شاعرة.
الطموحات المستقبلية:
*ما هي المشاريع الأدبية القادمة التي تعملين عليها؟ وهل هناك مجالات جديدة ترغبين في استكشافها؟
** هناك ديوان شعر تحت الطبع تقدمت به لأحد الهيئات التابعة للدولة وسأعلن عنه حين يصيبه الدور في النشر، كما أن هناك قصة أطفال أسعى لنشرها، وأتمنى أن أكمل مجموعة قصصية قد بدأت فيها ولكن لم تكتمل بعد.
أسئلة سريعة:
*كتاب أثر فيكِ كثيرًا؟
*أحمد سماعين لعبد الرحمن الأبنودي.
*شاعر تعتبرينه قدوة لكِ؟
**صلاح جاهين.
*شاعر أو كاتب تودين اللقاء به (من الماضي أو الحاضر)؟
*صلاح جاهين.
*ماذا تعني لكِ الكتابة في ثلاث كلمات؟
**روح – حياة – أمل.
*رسالة قصيرة لاتحاد كتاب مصر؟
**أرجو أن يتسع صدر القائمين عليه لأي نقد، فهذه هى ضريبة العمل العام التي يجب أن يدفعها الجميع، كما أن اختلاف الأفكار يضيف للعمل العام مزيداً من الحيوية والرقي، وهذا ما كفله القانون للجميع، ألا وهو حق التعبير الذي يصب في الصالح العام.
*رسالة قصيرة للهيئة العامة لقصور الثقافة ؟
**كنتم أول مكان أعمل به، وأول مكان يحتوي إبداعي وأنا في بداية الطريق، ولذا لكم مكانة خاصة في نفسي، فاستمروا في دعمكم للمواهب، وليتكم تعودوا لمعرض الكتاب بفعاليات توقفت منذ سنوات لأنكم المكان الذي لديه معرفة بمبدعي مصر جميعاً.
تلغراف :
* إذا طلبنا منك إرسال "تلغراف" إلى شخص ترك أثرًا طيبًا في حياتك، وكان له دور في تشكيل رحلتك الشعرية أو الإنسانية، لمن ستوجهين الرسالة؟ وماذا ستقولين له؟
** أبي الغالي.. لولا دعمك لي في بداية حياتي، وتشجيعك لموهبتي لما كنت ما عليه الآن، لروحك السلام، ولك مني كل المحبة.
الخاتمة:
هكذا تمضي منال الصناديقي في هذا الحوار؛
بلا ادّعاء، بلا أقنعة، وبقلبٍ مفتوح على الحياة بما فيها من ابتلاءات ونِعم.
نكتشف معها أن الشعر ليس موقفًا جماليًا فقط، بل موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا، وأن الكتابة – حين تكون صادقة – لا تنفصل عن الأمومة، ولا عن الوجع، ولا عن الحلم، ولا عن المسؤولية.
هذا الحوار ليس توثيقًا لتجربة إبداعية فحسب، بل شهادة على أن الإبداع الحقيقي لا يولد في الصالونات المغلقة، بل في البيوت التي تحب العلم، وفي القرى التي تعلّم الصبر، وفي القلوب التي تعرف كيف تتألم دون أن تقسو.
في «حوار مع مبدع إنسان»، نغلق الصفحة…
لا لننهي الحديث، بل لنتركه مفتوحًا في ذهن القارئ،
تمامًا كما تفعل القصيدة الجيدة:
تنتهي كلماتها،
لكن أثرها لا ينتهي.
*أُجري هذا الحوار ضمن سلسلة "حوار مع مبدع إنسان" التي تُعدّها وتُقدّمها الكاتبة والشاعرة همت مصطفى، والتي تسعى من خلالها إلى تسليط الضوء على الوجوه الإنسانية للمبدعين الذين يحملون الجمال في أقلامهم وقلوبهم، بعيدًا عن ضجيج الأضواء وقوالب الإعلام التقليدية.