مساحة إعلانية

منبر

منوعات

العقد الفريد في أدب أهل الصعيد .. بقلم محمود النعيمي "1"

2026-10-03 04:46 AM  - 
العقد الفريد في أدب أهل الصعيد .. بقلم محمود النعيمي "1"
محمود النعيمي

"يا ولدي..أكلة السبع ولا عضة الكلب".. حكمة صعيدي تُنهي ثأرًا قبل الفجر بمحافظة قنا.
في سبعينيات القرن الماضي، وفي قلب صعيد مصر العامر، نطق رجل أميّ لم يقرأ كتابًا ولم يعرف الفلسفة يومًا، بحكمةٍ اختزلت كل كتب الشرف والمروءة: "يا ولدي.. أكلة السبع ولا عضة الكلب".
قبل أن تغزو السيارات طرقات الصعيد في مطلع الثمانينات، كانت الدابة هي كل شيء.. الخيل للوجاهة، والبغال للحِمل، والحمير للمسافات الطويلة. وكان المجتمع الريفي على ضفاف وادي النيل الخصيب مجتمعًا تكافليًا بامتياز، لا يعرف الفردية. وكانت أقدس شعائره هي "الواجب". هكذا كانوا يسمون "العزاء"، فإذا سألت أحدهم إلى أين أنت ذاهب؟ لا يقول إلى "عزاء فلان"، بل يقول بكل خشوع: "ذاهب إلى الواجب".
في إحدى ليالي الشتاء القارس، مات كبير من كبراء القبائل في محافظة قنا، رجل مشهود له بالصلاح والإصلاح، تحل على يديه العقد المستعصية، وتذعن له القلوب إجلالًا. وكان العزاء يومها لا ينتهي في يوم وليلة، بل يمتد لسبع ليالٍ كاملة.
في قرية بعيدة، قرر رجل من الأعيان أن يؤدي الواجب. أخذ ولده معه، ووضعا بردعتين فوق حماريهما بعد أن علفوهما فولًا وذرة استعدادًا لبعد المسافة، وانطلقا عصرًا. طافا بالقرى والنجوع، أدّيا الواجب، ثم همّا بالعودة. أدركهما الليل في منتصف الطريق، وعلى مشارف قريتهما، وقفا أمام مفترق طرق مصيري.
طريقان لا ثالث لهما: الأول، طريق مقطوع تسكنه قطاع الطرق واللصوص. والثاني، طريق آمن ظاهريًا، لكنه يمر عبر أراضي عائلة كبيرة بينه وبينها ثأر دموي، فقد كان هذا الرجل قد قتل ابنًا لهم خطأً في مشاجرة، وبقي الثأر كالجمر تحت الرماد.
اختار الأب الطريق الثاني، طريق العائلة الخصم، فاستوقفه ابنه مذعورًا: "يا أبتِ، أتعلم على من نمر؟ إننا نقدّم أنفسنا لهم على طبق من ذهب، لم يحلموا به! فلنمر من طريق اللصوص، يكفينا أن نعود بكرامتنا وأنفسنا، وهذا وحده مكسب".
دار أخذّ وردّ بين الأب وابنه، حتى كاد الأب أن ينزل على رأي ولده ويمضي لطريق اللصوص، لكنه توقف فجأة، ولوى عنق دابته، ونظر لابنه نظرة الرجل الذي عركته السنون، وقال جملته الخالدة:
"يا ولدي.. أكلة السبع ولا عضة الكلب".
ثم أردف يفسر: "يا بني، لئن يصبح الناس فيجدوننا قتيلين على يد عائلة عريقة ذات حسب ونسب، أشرف لنا من أن يصبحوا ويتحدثوا أن اللصوص والصعاليك قد سلبونا حميرنا وثيابنا. الموت بشرف خير من العيش بعار". وكان الابن حرًا كأبيه، فوافق ومضيا ينتظران الموت في كل خطوة.
لم يكن المشهد خافيًا. كان هناك في الظلام الدامس، بين عيدان القصب العالية، رجل يسقي أرضه ليلًا، يسمع الحوار حرفًا بحرف.
المستمع كان هو الأخ الأصغر للقتيل، وفي يده القدرة على أن يقتلهما في الحال ويثأر لأخيه.
لكنه لم يفعل.
تسلل بهدوء من بين القصب، وهرول إلى أبيه، وقص عليه ما سمع. فقال الأب الشيخ، وقلبه يرتجف: "أعد عليّ ما قلت". فأعاد الابن. فقال الأب مرة أخرى: "أعد". فأعاد. وهنا تنهد الشيخ وقال:
"يا بني، إن من يقول هذا الكلام خصم شريف. والشريف لا يحقّر خصمه ولا يهينه في حضوره أو غيابه، بل يخاصمه بشرف ويعطيه قدره. وهذان الرجلان من علية القوم وسادته مثلنا، وأخوك لم يُقتل غدرًا ولا تربصًا، بل هي ضربة قدر سبقت الأجل في مشاجرة".
ثم سأل ابنه: "أتدري ماذا سنفعل الآن قبل أن يؤذن الفجر؟"
قال الابن: "لا أدري يا أبي".
قال: "سنذهب الآن إلى دارهم، نطرق بابهم، ونمنحهم عفو القادر وسماح المقتدر".
وما إن لامس الكلام قلب الابن حتى قال: "أحسنت الرأي يا أبي، هيا بنا".
طرقوا الباب في جوف الليل، لا للثأر، بل للعفو. ومع شروق شمس الصباح، استيقظت القرية على خبرين: عزاء كبير القبائل في ابنه، وانتهاء ثأر دام لسنوات بعفو كريم.
فكانت الناس تذهب لبيت الأول تعزيه في ابنه، وتذهب لبيت الثاني تهنئه بالعفو والسماح.
رحمة الله على زمن كان فيه حتى الثأر له شرف، وحتى الخصومة لها أصول.. زمن كان فيه الرجل يفضل "أكلة السبع على عضة الكلب".

مساحة إعلانية