مساحة إعلانية
تعبر الأدعية الشعبية عن الشخصية والبيئة خير تعبير، أما تعبيرها عن الشخصية فيظهر فيما تفيض به تلك الأدعية من عواطف تكشف التكوين النفسي للمتفوه بها، من حب أو بغض أو تقدير أو احتقار أو تعجب أو استنكار تجاه فرد أو أكثر، وتجاه سلوك أو أكثر من سلوكيات الآخرين.
وأما تعبيرها عن البيئة فواضح من خلال ما يتميز به البناء اللغوي للدعاء من تشبيهات واستعارات يصنع الصورة الفنية الجميلة الدعائية ، ملتبسة بمكوناتها البيئية القريبة من صور ولغة.
ويمكننا تعريف الأدعية الشعبية بأنها " تلك العبارات التي يتفوه بها الإنسان تعبيراً عما يجيش بصدره من مشاعر تجاه الآخرين حاملة رغباته إزاءهم، أياً ما كانت هذه الرغبات: خيراً أو شراً. وغالباً ما تكون الدعوات مرتبطة بمواقف يبدو فيه الداعي ممتناً للآخرين فيدعو لهم بالخير والسعادة والتوفيق، أو مواقف مغايرة يبدو فيها ناقماً عليهم نتيجة أذى ناله منهم، أو مبغضاً لهم لسوء سيرتهم أو لموقف معين بدر منهم."
مع أن الدعاء باب من أبواب الأسلوب الإنشائي، فإن بنيته اللغوية –في المأثور الشعبي الشفاهي- تتنوع بين الأسلوبين: الخبري والإنشائي، كما هو الحال في نصوص الفصحى الأصيلة، وهو في حالة وروده على الأسلوب الخبري يكون أقوى دلالياً لكونه يُشعر بالتحقق وحتمية الاستجابة، ويظهر من بنيته اللغوية ذات الشكل الخبري، ما يوحي باليقين من أن الداعي واثق بأن ما يدعو به واقع لا محالة.
ومن أمثلة استخدام النفي في الدعاء بالشر:
(تشرِّق ما تلقى، تغرِّب ما تلقى !!)
فالداعي هنا يسال الله تعالى أن يضيق رزق المدعو عليه، بحيث تفوته أي فرصة لتحقيق ما يسعى إليه ، فتضيق عليه الأرض بما رحبت، فلا هو يجد خيراً في المشرق، ولا هو يجد خيراً في المغرب، وذكر هاتين الجهتين في تلك الدعوة ليس للحصر، ولكن للاكتفاء بهما عن ذكر بقية الاتجاهات الجغرافية،
ومن أمثلة العطف في أدعية الشر:
( لا كسَّبك، ولا رشَّدك، ولا عَطَاك عَدَل)
لا كسَّبك: بتشديد السين، أي : لا رزقك الله كسباً من أي نوع. وهو مساوٍ لمثيله الفصيح.
لا رشَّدك: أي لا رزقك الله الرُّشْد حيثما ذهبت.
لا عَطَاك: أصله، لا أعطاك، والعامية المصرية تحذف همزة التعدية، فيسمون أبناءهم ( عبد العاطي) والمقصود (عبد المعطي).
عَدَل: العدل (بفتح الدال) أي الصواب والخير. والمعنى : لا أعطاك الله خيراً، ولا هداك إلى صواب.
والبعد الدلالي النفسي في دعوات الشر أكثر وضوحاً منه في دعوات الخير، ذلك أن دعوات الشر، تتصل مباشرة بالغرائز النفسية، وتعبر عما يكمن في اللاشعور من رغبات مكبوتة في التخلص من مصادر الإيذاء (الآخرين) جذرياً . فتأتي بعض الأدعية معبرة عن رغبة الداعي في إيقاع أشد البلاء بالمؤذين من المدعو عليهم. كقولهم:(جاك العمى وطولة العمر)
لأن الأعمى كما يراه العامة يشقى كثيراً إذا لم يكن هناك من يساعده، وكلما طال عمره، زاد شقاؤه وتعاسته.
وكما في دعائهم: (العيا الشديد اللي ما تلقى له طبيب)
وقد تظهر نوازع سادية في الداعي تتمثل في استخدامه لدعوات حادة تظهر فيها الرغبة الجارفة في تعذيب المدعو عليه وتمني أسوأ النهايات كما في قولهم :( جاتك شِنْعة في ضُهر جِمْعة) والمعنى: أن الداعي يتمنى للمدعو عليه أن يموت ميتة شنيعة وقت صلاة الجمعة حيث يكون الوقت طيباً والدعاء مستجاباً. وأكثر العامة يكسرون حرف الجيم من كلمة (جمعة) مما يجعلها تصنع جناساً صوتياً مع كلمة (شِنعة) مكسورة الشين.
وكما في قولهم:(الحكيم يُنُخّ، والسقَّا يُبُخّ) والحكيم (=الطبيب) المقصود هنا الطبيب الشرعي الذي يؤتى به في أعقاب الحوادث المؤسفة لتشريح الجثث، والدعاء بأن (ينخ) الطبيب ( والنخّ هو وضع الجسم المتهيئ للجلوس حين يكون أقرب إلى الأرض) فيه دلالة على سوء حالة الجثة وتشوهها بحيث يحتاج الطبيب إلى التحرك لأعلى وأسفل حتى يتمكن من عمله، وأما وجود السقّاء في الدعوة ففيه دلالة على أن يكون الحادث المؤسف في يوم قيظ شديد، ومن المعروف أن أهل الريف خاصة يستعينون على تلطيف الجو الحار برش المياه على الأراضي الترابية، فإذا تبخرت المياه لطّفت الجو، والفعل (يَبُخّ) معناه يرش الماء من قربته. وبين (ينخ) للحكيم، و(يبخ) للسقّاء جناس واضح.
وقد يستقي القرويون أدعيتهم من الواقع كما في الأمثلة السابقة ، وقد يطورونها كما فعلت تلك المرأة الريفية التي تتعرض كثيرا للتليفزيون الحكومي المدغشقرية !! ، فقد أبدعت كثيرا حين أغضبها وليدها فدعت عليه قائلة : ( روح يا بعيد جاتك ضربة جوية تكتم على أنفاسك 30 سنة !! )