مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الشاعر الدكتور مصطفى رجب يكتب :من دقائق العربية

2026-03-17 01:03 PM  - 
الشاعر الدكتور مصطفى رجب يكتب :من دقائق العربية
الشاعر الدكتور مصطفي رجب
منبر

ليس كل أوزان المبالغة تفيد المبالغة:
لقد تعارف اللغويون على أن بعض الأوزان الصرفية مثل " فَعَّال – فَعُول – مفعال ... " تفيد المبالغة أي كثرة الإتيان بالفعل، فمثلاً كلمة ( قَتَّال ) هي مبالغة من اسم الفاعل ( قاتل ) الذي يفيد القيام بالفعل لمرة واحدة. [وقد سمي أحد الشعراء المخضرمين ( القتَّال ) الكلابي لكثرة ارتكابه جريمة القتل]. وكذلك إذا قلت مثلاً ( فلان ذكور لمواعيده ) فمعناه أنه كثير التذكر بخلاف اسم الفاعل ( ذاكر لموعده).
الذين يعرفون هذه القاعدة يتوقفون أمام قوله سبحانه:
" وأنَّ الله ليس بِظلاَّمٍ للعبيد " [ آل عمران / 182 ] . لأن نفي المبالغة لا يستلزم نفي أصل الفعل. ومحال أن يقع الظلم منه سبحانه وتعالى لأحد من عباده.
وهنا نقول : إن العلماء توقفوا أمام هذه القاعدة التي يدرسها أبناؤنا الطلاب في المدارس، وقالوا إن صيغة فعَّال قد تجىء بمعنى فاعل وتلزم هذا البناء دون أن يكون المقصود من استعمالها المبالغة في الإتيان بالفعل. بل يقال : تمَّار لبائع التمر، وخبَّاز لبائع الخبز أو صانعه، وبقّال وبزَّاز( تاجر أقمشة ) .... الخ.
والدليل على ذلك قول الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد :
           ولستُ بحلاَّل التلاع مخافةً .....ولكن متى يسترفد القوم أرفدِ
فهو لا يريد أنه قد يحل التلاع قليلاً. فالنصف الثاني من البيت لا يدل على شيء من ذلك. فهو ينفي البخل عن نفسه نفياً مطلقاً. فهو لا يهرب من مواجهة الضيوف. فحلاَّل هنا بمعنى ( حالَّ ) على وزن فاعل. وكذلك تكون ( ظلاَّم ) في الآية الكريمة – وما وردت فيه من آيات مماثلة – بمعنى ظالم.
وقد وقع في هذه المسألة استجواب طريف بين العلامة تقي الدين السبكي ( 727-771هـ ) وصديقه الأديب الفقيه الشاعر صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي. فقد أرسل إليه الصفدي بهذه المسألة شعراً فقال :
تقي الدين يا أقضى البرايا.................ويا ربَّ النهي والألمعيَّة
أفدنا إننا فقراء علم.........................بما تملي فضائلك الغنية
تقرّر أن " فَعّالاً، فَعُولاً "................مبالغتان في اسم الغاعلية
فكيف تقول فيما صح عنه :.............."وما الله بظلام البريّة"
أيعطي القول إن فكرت فيه.....سوى نفي المبالغة القوية؟
وكيف إذا توضأنا بماءٍ..........." طهور " وهو رأي الشافعية
أزلنا الوصف عنه بفرد فعلٍ.............وذاك خلاف رأي المالكية
..............
فأجابه الشيخ الفقيه السبكي بقوله ضمن قصيدة طويلة:
فظلاَّمٌ كبزَّازٍ. وأيضاً...................فقد يأتي بمعنى الظالمية
وقد يُنفي القليلُ لعلةٍٍ في..............فوائده بنفيٍ الأكثرية
وقد يُنحى به التكثيرُ قصداً..........لكثرة من يُضام من البرية
وأما قولُهم " ماءٌ طَهورٌ "............ونصرته لقول المالكية
فجاء على مبالغةٍٍ : فعولٌ....................وشاع مجيئه للفاعلية
وخلاصة رأي الشيخ السبكي أن [ظلاَّم] وردت في الآية بمعنى ظالم. كما يدل قوله:
وقد يُنحى به التكثير قصداً..........................لكثرة مَنْ يُضام من البرية
على أن الآية تحتمل أن تكون على ظاهر قاعدة المبالغة. وحينئذٍ يكون القصد من الكثرة : كثرة وقوع الذنوب من العباد. فالكثير بالنسبة للمتعلِّق كما ورد في بعض كتب التفسير.
ونحن نميل إلى الرأي الذي بسطناه وهو أن اللغة جاءت بالقاعدة وجاءت بما يرد عليها من احتمال ورود تلك الأوزان على خلاف مقتضى الظاهر من القاعدة بدليل قوله تعالى عن نفسه أنه لا يريد ظلماً بالعباد فنفيُ ( إرادة ) الظلم تنفي أيَّ احتمالٍ لوقوعه.

مساحة إعلانية