مساحة إعلانية
شهدت السياسة الخارجية الفيتنامية منذ إطلاق سياسة "دوي موي" Đổi Mới عام 1986 تحولًا جذريًا، إذ انتقلت من التركيز على التحالفات الأيديولوجية إلى انتهاج سياسة خارجية تقوم على الاستقلال، والتعددية، وتنويع العلاقات الدولية، والاندماج النشط في الاقتصاد العالمي. وقد أسهم هذا التحول في انضمام فيتنام إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" عام 1995، ثم إلى منظمة التجارة العالمية عام 2007، وإقامة شراكات استراتيجية وشاملة مع العديد من القوى الدولية. وفي هذا السياق، أصبحت المؤتمرات الدبلوماسية التي تعقدها وزارة الخارجية الفيتنامية محطة رئيسية لتقييم أداء السياسة الخارجية، وصياغة التوجهات المستقبلية بما يتماشى مع أهداف الحزب والدولة.
عُقد في هانوي، المؤتمر الدبلوماسي الثالث والثلاثين HNNG 33، والمؤتمر الوطني الثاني والعشرين للشؤون الخارجية HNNV 22، من الأول حتى السابع من أغسطس 2026، تحت شعار "تعزيز الدور الريادي للدبلوماسية، والتنفيذ الفعّال والمنهجي للمهام الأساسية والمستمرة للشؤون الخارجية الفيتنامية في العصر الجديد". وذلك بهدف استيعاب وتنفيذ توجهات السياسة الخارجية التي أقرها المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب الشيوعي الفيتنامي، وتحديد التوجهات والمهام والحلول الرئيسية الكفيلة بمواصلة تعزيز الدور الريادي للدبلوماسية في مسيرة بناء الوطن وحمايته وتنميته. وقد شكل المؤتمر فرصة لاستعراض أبرز الإنجازات التي حققتها السياسة الخارجية الفيتنامية خلال المرحلة الماضية، ووضع التوجهات الاستراتيجية الرامية إلى رفع كفاءة العمل الدبلوماسي، بما يسهم في تعزيز مكانة فيتنام وسمعتها وصورتها على الساحة الدولية. كما اعتبر عقد المؤتمر مناسبة لتعزيز روح الوحدة، وتجديد الفكر، والارتقاء بالإحساس بالمسؤولية، وتنمية روح العطاء، والعمل معًا على بناء دبلوماسية فيتنامية شاملة، وحديثة، واحترافية، قادرة على تلبية متطلبات التنمية الوطنية في العصر الجديد.
تمثل سياسة فيتنام الخارجية أهم الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز مكانة الدولة، وحماية السيادة الوطنية. في ظل مجموعة المتغيرات التي تشهدها الساحة الإقليمية والدولية، من أبرزها، تصاعد المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين. واستمرار التوترات في بحر الصين الجنوبي. وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية. والتوسع في التحول الرقمي والاقتصاد الأخضر. وتزايد أهمية الدبلوماسية الاقتصادية في جذب الاستثمارات والتقنيات الحديثة.
يُعد المؤتمر الدبلوماسي Hội nghị Ngoại giao، أعلى مؤتمر مهني لوزارة الخارجية الفيتنامية، حيث يُعقد عادة كل عدة سنوات بعد انعقاد المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الفيتنامي، بهدف تحويل التوجهات السياسية العامة إلى سياسات وخطط تنفيذية في مجال العلاقات الخارجية. أما المؤتمر الوطني للشؤون الخارجية Hội nghị Ngoại vụ toàn quốc فيجمع بين وزارة الخارجية والوزارات والمحافظات والهيئات المحلية، بهدف تنسيق العمل الخارجي على المستوى الوطني، وليس فقط على مستوى الوزارة. ولذلك فإن عقد المؤتمرين معًا يعكس رغبة القيادة الفيتنامية في توحيد الرؤية الدبلوماسية للدولة بأكملها.
وضعت وزارة الخارجية الفيتنامية عددًا من الأهداف للمؤتمرين، تمثلت في تنفيذ توجهات السياسة الخارجية التي أقرها المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب الشيوعي الفيتنامي. وتقييم أداء الدبلوماسية الفيتنامية خلال المرحلة السابقة. ووضع استراتيجية العمل الدبلوماسي للسنوات المقبلة. ورفع كفاءة البعثات الدبلوماسية في الخارج. وتطوير الكوادر الدبلوماسية بما يتناسب مع المتغيرات الدولية. وتعزيز التنسيق بين وزارة الخارجية والوزارات والمحليات والبعثات الدبلوماسية في الخارج. ورفع كفاءة الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والقنصلية. وتعزيز مكانة فيتنام الدولية ودعم أهداف التنمية الوطنية، ودور الدبلوماسية الاقتصادية في خدمة التنمية. وتوظيف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في العمل الدبلوماسي. وتعزيز الدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية الشعبية.
وتكمن أهمية المؤتمر في أنه يُعد أعلى ملتقى دوري للدبلوماسية الفيتنامية، باعتباره يجمع كبار قادة الحزب والدولة، وقيادات وزارة الخارجية، وسفراء فيتنام ورؤساء بعثاتها الدبلوماسية في الخارج، إضافة إلى ممثلين عن الوزارات والهيئات والمحافظات، لمناقشة أولويات السياسة الخارجية وتنسيق العمل الدبلوماسي بما يتوافق مع المرحلة الجديدة من التنمية والانفتاح الدولي. وبالنظر إلى انعقاده بعد المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب الشيوعي الفيتنامي، فقد ركز المؤتمر على ترجمة الرؤية الجديدة للسياسة الخارجية إلى خطط تنفيذية، مع إعطاء أولوية للدبلوماسية الاقتصادية، والابتكار، والتحول الرقمي، وتعميق الشراكات الاستراتيجية، وتعزيز مساهمة الدبلوماسية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورفع المكانة الدولية لفيتنام.
نظرًا لأهمية المؤتمر على المستويين الداخلي والخارجي، فقد حرص كبار قادة الدولة على المشاركة فيه، وفي مقدمتهم، الأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي. ورئيس الدولة. ورئيس الوزراء. ورئيس الجمعية الوطنية. ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية. وقيادات وزارة الخارجية. وجميع السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية الفيتنامية في الخارج. وممثلو الوزارات والمؤسسات الحكومية. ومسؤولو الشؤون الخارجية في جميع المقاطعات والمدن. والعديد من الخبراء والباحثين في العلاقات الدولية.
استنادًا إلى شعار المؤتمر ووثائق المؤتمر الرابع عشر للحزب، فقد ناقشت جلسات المؤتمر سبل تنفيذ استراتيجية السياسة الخارجية للفترة 2026- 2031. وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية. وتوسيع العلاقات مع القوى الكبرى والشركاء الاستراتيجيين. وتوضيح دور الدبلوماسية في تحقيق أهداف التنمية الوطنية. وحماية السيادة الوطنية، خاصة في بحر الصين الجنوبي "البحر الشرقي". والتحول الرقمي في العمل الدبلوماسي. والدبلوماسية الثقافية وتعزيز القوة الناعمة الفيتنامية. وشؤون الجاليات الفيتنامية في الخارج. وتدريب وتأهيل الكوادر الدبلوماسية. والتنسيق بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية في إدارة العلاقات الخارجية.
تأتي أهمية المؤتمر الثالث والثلاثون باعتباره أول مؤتمر دبلوماسي بعد المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب، وبالتالي فقد وضع الإطار التنفيذي للسياسة الخارجية في المرحلة الجديدة. كما أنه جاء في ظل بيئة دولية معقدة تتسم بتنافس القوى الكبرى، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والتطورات التقنية، مما يتطلب تحديث أدوات الدبلوماسية الفيتنامية. كما تكمن أهميته في أنه تزامن مع دخول فيتنام مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية، حيث تسعى إلى تحقيق مكانة دولة ذات دخل مرتفع بحلول عام 2045، وهو ما يجعل للدبلوماسية الاقتصادية دورًا محوريًا.
ارتبط المؤتمر ارتباطًا مباشرًا بتنفيذ رؤية المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب الشيوعي الفيتنامي، والتي تقوم على مبادئ رئيسية، يأتي في مقدمتها استقلالية القرار الوطني. وتنويع الشراكات الخارجية. وتعددية العلاقات الدولية. والدبلوماسية الشاملة والحديثة. وجعل الشؤون الخارجية إحدى الركائز الأساسية للتنمية الوطنية.
ناقش المؤتمر عددًا من المحاور الرئيسة، من أبرزها تنفيذ السياسة الخارجية للحزب، حيث تناول آليات تطبيق الخطوط العامة للسياسة الخارجية التي اعتمدها المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب، بما يضمن الحفاظ على استقلال القرار الوطني مع توسيع شبكة العلاقات الدولية. والدبلوماسية الاقتصادية، إذ تركز فيتنام على جعل الدبلوماسية الاقتصادية أداة رئيسية لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز الصادرات، ونقل التقنيات الحديثة، والاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة. والدبلوماسية متعددة الأطراف، والتي تسعى فيتنام من خلالها إلى توسيع مشاركتها في الأمم المتحدة، والآسيان، ومنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ APEC، وغيرها من المؤسسات الدولية، بما يعزز دورها في معالجة القضايا الإقليمية والدولية. والدبلوماسية الثقافية، حيث ناقش المؤتمر سبل توظيف التراث الثقافي والقوة الناعمة في تحسين صورة فيتنام عالميًا، من خلال الترويج للثقافة الفيتنامية، ودعم ملفات التراث لدى اليونسكو، وتشجيع التبادل الثقافي. والتحول الرقمي الذي أصبح أحد المحاور الجديدة في العمل الدبلوماسي، من خلال تطوير الخدمات القنصلية الرقمية، وتحسين إدارة المعلومات، واستخدام أدوات التحليل الحديثة لدعم صنع القرار.
تنبع أهمية المؤتمر من كونه يعكس رؤية فيتنام للتعامل مع بيئة دولية متغيرة، ويبرز عدة أبعاد استراتيجية، تتمثل في الحفاظ على التوازن بين القوى الكبرى، حيث تواصل فيتنام اتباع سياسة تقوم على تنويع العلاقات وعدم الانحياز، مع تطوير علاقاتها مع الصين والولايات المتحدة وروسيا واليابان والهند والاتحاد الأوروبي. وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، خاصة أن جذب الاستثمار والتقنيات والأسواق الخارجية يمثل عنصرًا أساسيًا لتحقيق أهداف التنمية بحلول عام 2045. ويسعى المؤتمر إلى دعم مشاركة فيتنام في المنظمات الدولية، وزيادة إسهامها في عمليات حفظ السلام، والقضايا العالمية مثل التغير المناخي والأمن الغذائي. وتأكيد المؤتمر على أهمية الالتزام بالقانون الدولي، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، في معالجة قضايا بحر الصين الجنوبي بالوسائل السلمية.
شكل المؤتمر محطة مهمة في تطوير السياسة الخارجية الفيتنامية خلال السنوات المقبلة، إذ يعزز مفهوم "الدبلوماسية الشاملة والحديثة" التي تجمع بين العمل السياسي والاقتصادي والثقافي والعلمي. كما عكس استمرار تبني نهج "دبلوماسية الخيزران"، التي تقوم على الثبات في المبادئ والمرونة في إدارة العلاقات الدولية، وهو المفهوم الذي ارتبط بالرؤية التي طرحها الأمين العام الراحل نجوين فو ترونغ، وأصبح أحد المرتكزات الفكرية للدبلوماسية الفيتنامية.
تسهم مخرجات المؤتمر في تعزيز دور البعثات الدبلوماسية في خدمة التنمية الاقتصادية. وتطوير التنسيق بين الحكومة المركزية والمحليات في إدارة العلاقات الخارجية. ورفع كفاءة الكوادر الدبلوماسية. وتوسيع حضور فيتنام في المنظمات الدولية. وتعزيز صورة فيتنام كدولة مستقرة وشريك موثوق.
شكل المؤتمر الدبلوماسي الثالث والثلاثون والمؤتمر الوطني الثاني والعشرون للشؤون الخارجية نقطة انطلاق مهمة لتنفيذ رؤية فيتنام للسياسة الخارجية في المرحلة الجديدة. ففي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تسعى هانوي إلى بناء دبلوماسية أكثر كفاءة واحترافية، قادرة على حماية المصالح الوطنية، ودعم التنمية الاقتصادية، وتعزيز مكانة الدولة على الساحة الدولية. ومن ثم، فإن نجاح المؤتمر لن يقاس فقط بالقرارات التي أصدرها، بل بقدرته على تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى سياسات عملية تعزز دور فيتنام الإقليمي والدولي خلال العقود المقبلة.
المراجع
أولاً: المراجع الفيتنامية
Bộ Ngoại giao Việt Nam (وزارة الخارجية الفيتنامية). https://www.mofa.gov.vn
Đảng Cộng sản Việt Nam, Văn kiện Đại hội XIV của Đảng وثائق المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب الشيوعي الفيتنامي.
Đảng Cộng sản Việt Nam, Văn kiện Đại hội XIII của Đảng. Hà Nội: NXB Chính trị Quốc gia Sự thật, 2021.
Báo Nhân Dân (صحيفة الشعب الفيتنامية): https://nhandan.vn
Tạp chí Cộng sản (مجلة الحزب الشيوعي): https://tapchicongsan.org.vn
Học viện Ngoại giao Việt Nam (أكاديمية الدبلوماسية الفيتنامية): https://dav.edu.vn
ثانياً: المراجع الإنجليزية
Ministry of Foreign Affairs of Vietnam. https://www.mofa.gov.vn/en
World Bank. Vietnam Overview. https://www.worldbank.org
ASEAN Secretariat. https://asean.org
United Nations. UN Charter and Sustainable Development Goals. https://www.un.org
Carlyle A. Thayer, Vietnam's Foreign Policy in an Era of Rising Competition, Australian Strategic Policy Institute.
Le Hong Hiep, Vietnam's Foreign Policy under Doi Moi, ISEAS–Yusof Ishak Institute, Singapore.
صحيفة الشعب الفيتنامية
https://en.nhandan.vn/?_gl=1*1psstpz*_ga*NTE5MDQ4NjM2LjE3ODk0NzYyODU.*_ga_2KXX3JWTKT*czE3ODk0NzYyODUkbzEkZzEkdDE3ODk0NzYzNDUkajYwJGwwJGgw
مجلة الحزب الشيوعي الفيتنامي
https://en.tapchicongsan.org.vn/
وزارة الخارجية الفيتنامية
https://mofa.gov.vn/en/web/ministry-of-foreign-affairs