مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الروح هزيمة الحرب الأخيرة ..مصطفى عبدالملك الصميدي | اليمن

2026-09-09 01:43 PM  - 
الروح هزيمة الحرب الأخيرة ..مصطفى عبدالملك الصميدي | اليمن
مصطفي عبد الملك
إعلان بنك saib

لقد أدركتُ أن التشظي لا يبدأ حين يسقط الجدار، وإنما حين يقنعنا الساقطون بأن الجدار لم يكن يستحق أن يُبنى إلا بأدوات من وجودٍ دخيل. فغدوت بعدها أقاوم الدمار في داخلي قبل أن أقاومه في أكناف أرضي؛ أحرس أسماء الأماكن من النسيان، وأستحضر وجوه الذين غابوا، وأحفظ رائحة الديار التي لم تعد إلا شبه قائمة، كأنني أُؤرشف الوطن في صورته التي لم تستطع الحرب الوصول إليها؛ صورته التي تسكنني ولا تسكن الخرائط، حتى صار جهةً إذا ضاعت، ضاع مني الطريق إلى نفسي.

لذا، إن سمعتني أقول بحميمية "وطني"، فإنني لا أشير إلى مساحة من الأرض التي أسكنها بقدر ما أشير إلى قطعةٍ من قلبي خرجت ذات يوم إلى الوجود، ثم عادت إليَّ على هيئة تراب وسماء وذاكرة. وإن سألتني ما الذي يعنيه لي، أجيب على البديهة بوضع يدي على صدري، لتستبين أن المكان الذي عشت فيه سنوات عمري كان يعيش في حشايَ منذ مهدٍ بعيد، وأن الأرض التي مررتُ على ترابها كانت في الحقيقة ذلك الجزء الأعلى من النبض داخلي.

في أعماقي الآن مدن كاملة تنبض بالحياة؛ أسمع مآذنها وهي تصدح بالتسبيح والتهليل، وأسواقها تضج بخطى العابرين في الزحام، ومدارسها تخفق بنداءات الصباح الأولى: " الله، الوطن، الثورة، تحيا الجمهورية اليمنية ". كذلك في شغافي بحران بموجهما، وصحراء برمالها، وجبال بثباتها، وأشجار بظلالها، وطرقات بخطواتها، ووديان بأسرارها، وسماء بما تزينتْ به من شمسٍ وقمرٍ ونجوم وغيوم، حتى لكأني أوقنُ أن الوطن هو ذلك الكائن العجيب الذي تستطيع أن تخبئ خرائطه في جسدك، وتلك الذاكرة الحية التي تمر معك أينما يممت وجهك، ثم تظل طوال العمر تمشي على الدنيا وفي نبضك أرضٌ كاملة بكل تضاريسها.

وإن صار في قلبي اضطراب، فذاك جزء من انفجارات دخيلة جرَّحته غدراً؛ إذ ليس أسهل على الغريب من أن يقذف حجراً في جوفٍ لا يعرف كم دهراً من النبض يسكن قاعه. فما من حربٍ دخيلة تقع في وطنٍ أحببناه إلا وتبين عجز النيل منه في ترابه، فتبحث عن طريق آخر إليه؛ لِتدُكّ نياطه بقذائفها وتنفخ في شرايينه سحباً من دخانها الكثيف، لعلها تستطيع أن تجعل من الحب موضعاً للخراب ومن الوفاء مدخلاً لليأس والجزع.

لكن القلب مهما اضطرب، ازددتُ فيه تشبثاً يجعلني أتمسك به كما تُمسك اليد بضمادة الجرح كي لا يتسع، وتعمقاً يجعلني أتزمل به كما تُدفن الجمرة في الرماد كي لا تحس بها أنفاس الذاريات؛ إذ كلما أوغلتِ الحرب في طبقاته، أوغلتُ أنا في محبته، كي لا تجد القذيفة في داخلي هدفاً لها إلاّ ووجدَتني ممتلئاً به إلى الحد الذي لا يترك لها في قلبي مكاناً تُسقِط فيه خرابها.

أما إذا ترهل قلبي من فرط ما حمل من وجعٍ، وارتخى فيه حبل الصبر حتى كاد ينقطع، رفعتُ وطني إلى مقامٍ أسمى لا تبلغه الأيادي الطوال، وأودعت كيانه مقلتي موضع الوديعة في أحرز مخابئها. أحمله تحت جفني وأخشى عليه من غبار الطريق كما يخشى المرء على آخر شمعة في ليلةٍ عاصفة. فالعين التي ترى الوطن لا تنظر إلى خرابه بالطريقة نفسها التي ينظر بها الغريب، لكنها ترى في الجدار الذي شقَّته القذيفة بيتاً لم تسطع الحرب أن تخرج أهلهُ منه، وفي الحقل الذي أحرقته النار موسماً مؤجلاً ينتظر أول قطرة مطر، وفي الشهيد الذي سحق الرصاص جسده بدايةً أخرى أخطأ الموت حين ظن أنه استطاع أن يطفئها.

بيدَ أن الحرب لا تكتفي، فإن أطفأت بصري وبقيت العتمة وحدها تزم في المكان، سأخبئ وطني في نسائم الروح؛ في ذلك الجزء مني الذي لا تصله الطائرات ولا تهتدي إليه الخرائط، حيث لا يعرف الغريب كيف يصل، ولا تعرف الحرب كيف تقتفي الأثر. بإمكانهم أن ينهكوا قلباً وأن يطفئوا بصراً، لكنهم لا يستطيعون أن ينتزعوا وطناً استقر في روح إنسان. وهناك في أعمق ما في نفسي، أتركه آمناً مطمئناً؛ فالروح آخر أرضٍ لا تستطيع الحرب أن تطأها، فهي أمانة الله وما كان لله لا يملك أحد انتزاعه إلا بإذنه الواحد الأحد. 

هكذا، لا أعرف أين ينتهي الوطن وأين أبدأ أنا؛ فكلما فتشتُ عن حدودي ألفَيته فيه، وكلما وضعت يدي على قلبي وجدته يسكنني كما تسكن الأرض بذرتها الأولى، وكلما فتحتُ عينيَّ أبصرته بصري الذي يدلني على الطريق، وكلما تحسست روحي أستشعرته النفس الذي يفصل بين دنيتي وآخرتي. ولعل ما سيأتي ليس إلا محاولةً أخرى لأتتبع ذلك الوطن الذي لم يغادرني؛ في صوره التي صنعتني، وأوجاعه التي شكّلتني، وحكايته التي ما زالت تبحث عن صوتها في داخلي، وما وراء الروح.

مساحة إعلانية