مساحة إعلانية
حين كان الفقيرُ أميرا في بيته، والوقار يُورَّث كما تُورَّث الأرض .. لم تكن الأرستقراطية يوما لقبًا في بطاقة، ولا رصيدا في بنك، ولا سيارة فارهة تقف أمام الباب. كانت في الزمن الجميل هيئةَ نفس، وطريقة حياة، وذوقا ينساب في أبسط التفاصيل، من طريقة الجلوس إلى طريقة تقديم كوب من الشاي.
قبل أن تفتح السماوات المفتوحة أبوابها، وقبل أن تدخل أطباق الدش إلى الأسطح، وقبل أن تتحول الهواتف إلى أعضاء إضافية في أجسادنا، كان الرجل يجلس في مضيفته كأمير في مملكته الصغيرة. مضيفة بسقف خشبي تتدلى منه مروحة تدور على مهل، فتمنح المكان هواءً عليلا طوال العام دون أن يطلب أحد ذلك أو يلتفت إليه.
كان والدي رحمه الله وكل جيله نموذجا لتلك الأرستقراطية الصامتة. أراه الآن أمام عيني، بنظارته التي يضعها بعناية، والراديو إلى جواره، والتلفاز أمامه يتابع عليه الأخبار كمن يتابع شؤون دولة تخصه. يرتدي عباءته فوق جلبابه، نظيفة مكوية، تفوح منها رائحة الصابون والشمس، وعلى جدار المضيفة تعلقت بندقيته الخرطوش، ليست للتباهي، بل علامة على رجل يحمي بيته ويعرف قدر السلاح وهيبته.
كان إذا جاء أصدقاؤه، جلسوا في حلقة هادئة لا تعرف الصخب. تُحضر أمي الشاي، أو يشعلونه هم على "السبرتاية"، ذلك الموقد الصغير الذي كانت ناره هادئة كأصحابه. وكانوا يضعون فيه أوراق المرمرية، لا ترفًا، بل فنًّا، حتى يمنح الشاي نكهته التي لا يعرفها إلا من ذاقها. ويُقدَّم الشاي بنظام لا يختل أبدا، فكان لزاما على كل واحد منا أن يعرف سن من أمامه، فيُقدَّم للأكبر أولا، ثم يليه الأصغر فالأصغر، وكأن تقديم الشاي طقس من طقوس الاحترام، يُؤدى بوقار وعلم وفن وذوق وأدب.
وكان للشتاء عندهم طقس آخر لا يقل وقارا. كان والدي رحمه الله يأخذ سيارته الربع نقل في كل شتاء، ويذهب بها إلى مدينة "فرشوط"، فيشتري خشب السنط بالقنطار، ويجيء به إلى البيت من أجل التدفئة. خشب يصطف في ركن الدار كأنه مؤونة عام، لا حطب مبعثر، بل رزق مرتب بعنايةِ رجلٍ يعرف قيمة الدفء.
فإذا جاء الليل، خرجوا إلى خارج المضيفة، وأشعلوا النار، وجلسوا حولها يستدفئون. وكان يأتيه أبناء عمومته من مكان بعيد، من الحقول البعيدة التي يسكنون فيها، يأتون كل عشية، كل ليلة، ليسهروا معه. يأتون ببنادقهم الآلية، فيضعونها ويركنونها على إحدى ضلف الأبواب الخشبية في مدخل البيت، بوقار من يعرف قدر ما يحمل، ثم يجلسون إلى النار.
لم يكن السلاح يومها في يد كل أحد، بل كان لا يقتنيه إلا الأعيان وأصحاب الحيازة، فكان السلاح علامة أمانة ومسؤولية، لا علامة تهديد، وكان البيت بيتا مفتوحا للضيوف، محروسا بالرجال، مضاءً بالنار، عامرا بالحديث.
في هذه الآونة، لم تكن الأرستقراطية في البيت وحده، بل كانت تمتد إلى الحقل والطريق. حتى الحمار الذي كانوا يركبونه كان له شأن. له مَروِدهُ، ولبادته، ووهبيَّته، ولجامه، نظيفة مرتبة كأنه فرس أصيل. وفي يد صاحبه عصاه، لا يتكئ عليها من ضعف، بل يمشي بها مشية الواثق الذي يعرف قدره.
أما في البيوت، فقد كان للسيدات في البيوت مملكة أخرى، لا تقل ترتيبا ولا جمالا. كانت سيدات منظمات منمقات، رغم أن صوامع الدقيق كانت من الطين، وأقفاص اللبن ومواجيره التي تحفظه كانت من الطين، لكنها كانت منمقة ونظيفة وصحية، من الطبيعي وإلى الطبيعي. وكانت الأواني الفخارية مصفوفة في أماكنها، مغسولة لامعة، تفوح منها رائحة النظافة، تغسل بليف النخل، لا بسلك الالمونيوم السام، كأنها أوان من فضة في قصر، لا فخار في دار من طين. وكان البيت كله يشهد أن النظافة لم تكن غنى، بل ذوقا وتربية.
كان الأكل راقيا في بساطته، لحوما بلدية تُطهى على مهل، أو بُقولا من خير الأرض، تُقدَّم في أطباق نظيفة، ويُجلس لها باحترام، فالطعام عندهم لم يكن مجرد سد جوع، بل نعمة تُستقبل بالشكر.
كان في الصباح لهم جلسة أخرى. جلسة مفروشة بفرو الخروف، يجلسون عليها يستدفئون، وتأتيهم البطاطا المشوية، والترمس، والبرتقال الأخضر، واليوسفي الأخضر، والجزر الأحمر، فيأكلون بمهل، ويتحدثون بمهل، كأن الصباح عندهم ضيافة، وكأن النهار يبدأ بكرم، لا بعجلة.
تلك هي بعض أرستقراطية الزمن الجميل. لم يكن أصحابها يملكون القصور، لكنهم كانوا يملكون ما هو أثمن، يملكون السكينة والهدوء والوقار. كان المجلس مجلسا للحديث الرزين، لا للصراخ. وكان الكبير كبيرا باحترامه، والصغير صغيرا بأدبه. وكان الرجل يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ويعرف أن كلمته عهد، وأن بيته مملكة، وأن كرامته رأس ماله الذي لا يفرط فيه.
الوقار لم يكن ثروة تقتنى، بل هيئة نفس تترفع عن الدنايا، وتجعل من البيت الصغير مملكة، ومن الجلسة الهادئة ديوانا.
البيت لم يكن يعلو بالرخام، بل بأهله. فالطين إذا سكنه الذوق صار أجمل من القصر، وإذا هجره الوقار صار القصر خرابا ولو كان من ذهب.
كانوا يقدمون الشاي للأكبر أولا، لأنهم كانوا يعلمون أن الاحترام لا يبدأ من الكوب، بل يبدأ من القلب، وأن من لا يعرف قدر من أمامه لا يعرف قدر نفسه.
كان السلاح معلقا على الجدار لا للتباهي، بل للأمانة. فالرجل عندهم لا يقاس بما يحمل في يده، بل بما يحمل في صدره من عهد ومسؤولية.
كانوا يستدفئون بالنار حولها، ويتحدثون على مهل، لأن الدفء عندهم لم يكن حطبا يشتعل، بل قلوبا تجتمع، ومجالس لا تعرف العجلة ولا الصخب.
من عاش بكرامته، وإن سكن بيتا من طين، ظل أميرا في عين نفسه وعين الناس. ومن باع وقاره، وإن سكن قصرا، ظل فقيرا ولو ملك الدنيا.
لقد رحل ذلك الزمن، ورحلت معه أشياء كثيرة، لكن بقيت ذكراه شاهدة على أن الأرستقراطية الحقيقية لم تكن يوما في ما نملك، بل في كيف نعيش.