مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

أذربيجان والذكرى السادسة لحرب التحرير ..بقلم: أحمد عبده طرابيك

2026-09-26 11:28 AM  - 
أذربيجان والذكرى السادسة لحرب التحرير ..بقلم: أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

 تحتفل جمهورية أذربيجان في  27 سبتمبر، بالذكرى السادسة لبداية حرب تحرير قراباغ، والذي أصبح عيدًا وطنيًا وفق مرسوم رئيس أذربيجان إلهام علييف الصادر في 2 دسمبر 2020، باعتبار ذلك اليوم من كل عام يومًا للاحتفاء بالشهداء والحداد الوطني، حيث استطاع جيش أذربيجان الباسل تحقيق الانتصارات الكاسحة، وتحرير إقليم قراباغ والمناطق المحتلة الآخرى، بعد احتلال أرمني دام سبعة وعشرون عامًا، حيث استطاعت القوات المسلحة الأذربيجانية تدشين أروع ملحمة عسكرية شهدها العالم في القرن الحادي والعشرين، والتي عُرفت باسم "القبضة الحديدية"، وأن تحقق انتصارات ساحقة تناولتها جميع الأوساط السياسية والعسكرية والإعلامية والبحثية بالتقدير والإعجاب، الأمر الذي جعل أرمينيا تطلب وقف إطلاق النار بأسرع وقت والاعتراف بالهزيمة والانسحاب من كافة أراضي أذربيجان المحتلة. 
      شكلت حرب قراباغ الثانية 2020، نقطة تحول رئيسية في الصراع الممتد بين أذربيجان وأرمينيا حول قراباغ، وأعاد رسم الخريطة السياسية والأمنية للمنطقة. فقد جاءت الحرب في سياق الجمود الطويل للموقف الأرمني الرافض لأية حلول دبلوماسية. وبعد نفاذ كافة الطرق السلمية لحل الصراع، لجأت أذربيجان في في 27 سبتمبر 2020 للقيام بعمليات عسكرية واسعة وقوية على طول خط التماس، وسرعان ما تحولت إلى حرب واسعة استخدمت فيها القوات الأذربيجانية وسائل عسكرية حديثة، من بينها الطائرات المسيرة، إلى جانب العمليات البرية. وخلال الأسابيع التالية أعلنت باكو استعادة عدد كبير من البلدات والمناطق، وكان أبرز التحولات العسكرية والسياسية السيطرة على مدينة شوشا الاستراتيجية في 8 نوفمبر. وفي 10 نوفمبر أعلن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بيانًا مشتركًا لوقف إطلاق النار. 
     يعيد يوم النصر رسم العلاقة من جديد بين أذربيجان وأرمينيا، وذلك بعد فترة العداء والصراع التاريخي والسياسي التي تعود إلى أواخر الحقبة السوفيتية. فمع تفكك الاتحاد السوفيتي تطور النزاع إلى حرب واسعة بين أذربيجان وأرمينيا. وانتهت الحرب المعروفة بحرب قراباغ الأولى عام 1994 بسيطرة القوات الأرمينية على قراباغ وسبعة أقاليم أذربيجانية محيطة به. وعلى مدى العقود التالية بقيت قضية الوضع النهائي لقراباغ دون تسوية، رغم جهود الوساطة الدولية، ولا سيما من خلال مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. 
      شكلت حرب قراباغ 2020 تصحيحًا لأوضاع قانونية وشرعية واجتماعية خاطئة. فقد جاءت الحرب من أجل تنفيذ متطلبات القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي رقم 822، 853، 874، 884. التي طالبت أرمينيا باحترام سيادة أذربيجان وانهاء العدوان والانسحاب من أراضي أذربيجان المحتلة، ولكن للأسف هذه القرارات وجدت تواطئ من القوى الدولية الكبرى التي لم تمارس ضغوطًا على أرمينيا من أجل تنفيذ تلك القرارات الدولية. فمنذ عام 1992 جرت مفاوضات بين أرمينيا وأذربيجان من أجل الوصول إلى تسوية للصراع، لكن دون جدوى. وفي عام 1994 قامت مجموعة "منسك" التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والتي ترأسها الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، بدور الوسيط؛ لكنها أخفقت أيضًا في ايجاد الحل المناسب للقضية. 
     يخلد التاريخ انتصارات أذربيجان في قراباغ إلى الأبد. حيث لم يتقبل الشعب أبدًا احتلال أراضيه، ولم يتصالح مع الهزيمة في حرب قره باغ الأولى. ولذلك فقد بدأت قيادة البلاد في الاستعداد لتحرير الأراضي المحتلة، حيث تم المل على بناء جيش وطني قوي وتزويده بأحدث الأسلحة والعتاد الحربي، وتدريب عناصر الجيش البشرية وفق أحدث الاستعدادات الحربية. وذلك بعد أن تم تعزيز اقتصاد البلاد ليكون داعمًا قويًا للجبهة الداخلية، وقادرًا على توفير كافة متطلبات الجيش خاضت أذربيجان حرب الكرامة والتحرير، بعد أن وجهت العديد من التحذيرات إلى أرمينيا عبر العديد من العمليات العسكرية الناجحة التي كانت تشنها على فترات، بداية من عملية أبريل 2016، ولكن أرمينيا لم تستجب لذلك فكانت الحرب الكبرى. حيث شكل انتصارات أذربيجان في قراباغ علامة فارقة على الطريق نحو تحقيق السلام الدائم في منطقة القوقاز. فكل خطوة اتخذها جيش أذربيجان الوطني في قراباغ، وكل قطرة دم سالت في سبيل الاستقلال والكرامة، سُجلت بأحرف من ذهب في تاريخ العالم الحر. 
     بعد عملية سبتمبر 2023، المعروفة بعملية "مكافحة الإرهاب"، نفذت أذربيجان عملية عسكرية قصيرة أدت إلى إنهاء الإدارة الانفصالية القائمة في قراباغ، ثم بدأت مرحلة جديدة تركز على إعادة دمج المنطقة وإعادة الإعمار وعودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إليها. وأطلقت الحكومة الأذربيجانية مشاريع واسعة لإعادة بناء المدن والقرى والطرق والمطارات والبنية الأساسية، مع إعلان خطط لعودة السكان إلى المناطق التي أعيد إعمارها. 
      أثبتت جمهورية أذربيجان للعالم أنها دولة قادرة على حماية حدودها، وصون سيادتها وكرامتها الوطنية، واحترام تعهداتها، والعمل على نهضة شعبها، ولذلك فقد نالت احترام وتقدير كافة شعوب العالم الحر. خاصة وأنها لم تعتبر أن الانتصار وتحرير الأرض المحتلة هي الهدف الأسمى، بل تعتبر أذربيجان أن الحرب هي الطريق إلى السلام، وخاصة عندما تكون الحرب التي خاضتها هي حرب عادلة وليست عدوان. ولذلك شرعت أذربيجان في طريق السلام مع أرمينيا، وتبديل الوضع في منطقة القوقاز من حالة الحرب والاضطرابات إلى حالة السلام والاستقرار والتنمية، فشرعت إلى إجراء محادثات سلام مع أرمينيا بهدف توقيع اتفاق سلام دائم، الذي يتضمن إنشاء ممر زانجازور ليربط إقليم ناخيتشيوان الأذربيجاني المتمتع بالحكم الذاتي، والمنفصل جغرافيًا عن الوطن الأم، ويكون هذا الممر جسرًا ليس بين الوطن الأذربيجاني وإقليم ناخيتشيوان، بل جسرًا للتنمية يشمل خطوط أنابيب للنقل النفط والغار من أذربيجان ودول آسيا الوطى إلى أوروبا عبر تركيا، وكذلك إنشاء عبر الممر مجموعة من خطوط السكك الحديدية والطرق البرية الدولية لنقل السلع والبضائع والركاب من آسيا بشكل عام إلى أوروبا. ولذلك فإن اذربيجان تعتبر ذكرى "يوم النصر" مناسبة لدعوة دول المنطقة وفي مقدمتهم أرمينيا من أجل تحقيق السلام والتنمية والإزدهار لكافة شعوب المنطقة.  
     تكتسب آفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا أهمية خاصة في هذه المرحلة. فبعد انتهاء المرحلة العسكرية من الصراع، انتقل مركز الثقل تدريجيًا إلى ترسيم الحدود، وفتح طرق النقل والاتصال، ومعالجة القضايا الإنسانية، وإرساء علاقات بين دولتين مستقلتين على أساس الاعتراف المتبادل بالسيادة والسلامة الإقليمية. وفي هذا السياق، فإن مستقبل قراباغ لن يرتبط فقط بنتائج الحرب، وإنما بقدرة المنطقة على التحول من ساحة صراع إلى فضاء للتنمية والاتصال الإقليمي. 
     تبرز أمام قراباغ، في المستقبل فرص واعدة في مختلف المجالات وخاصة في قطاع السياحة والثقافة والزراعة والطاقة والنقل، إذ تعد منطقة القوقاز بمثابة الجسر الذي يربط بين آسيا وأوروبا، حيث آسيا بما تمثله من مركز لسلاسل التوريد ومصادر الطاقة، والقارة الأوروبية المستورد الأكبر لتلك المنتجات القادمة من آسيا عبر القوقاز. ومن ثم فإن الذكرى السادسة ليوم النصر لا تستحضر فقط أحداث الملحمة العسكرية التي خاضتها أذربيجان على مدار 44 يومًا، بل تشير أيضًا إلى انتقال قراباغ ومعها إقليم القوقاز ودول المنطقة إلى مرحلة جديدة في تاريخها الحديث، عنوانها بناء السلام وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة. 

باحث في الشئون الآسيوية 

مساحة إعلانية