مساحة إعلانية
بقلم :أحمد عبده طرابيك
باحث زائر في جامعة ADA- أذربيجان
شكلت قضية الحجاب في مدارس أذربيجان أحد أهم القضايا التي كشفت عن طبيعة العلاقة المعقدة بين العلمانية والهوية الدينية في جمهورية أذربيجان، حيث تتداخل الاعتبارات الدستورية والاجتماعية والثقافية مع الحسابات السياسية والأمنية والإقليمية. فعلى الرغم من أن أذربيجان دولة علمانية وفقًا لدستورها، فإن الإسلام يظل مكونًا أساسيًا من مكونات الهوية التاريخية والثقافية للمجتمع الأذربيجاني، حيث تتراوح نسبة المسلمين ما بين 94 إلى 97%، وهو ما يجعل تنظيم المظاهر الدينية في المؤسسات التعليمية قضية تتجاوز حدود الزي المدرسي لتلامس أسئلة أوسع تتعلق بطبيعة الدولة والمجتمع ومستقبل الهوية الوطنية.
تكتسب قضية الهوية الوطنية أهمية وحساسية بالنظر إلى الموقع الجغرافي لأذربيجان في جنوب القوقاز، بين روسيا وإيران وتركيا، وإلى تركيبتها الدينية والثقافية، وعلاقاتها التاريخية مع العالمين الإسلامي والتركي. فالدولة التي تسعى إلى الحفاظ على استقلال قرارها السياسي، وتعزيز هويتها الوطنية، وترسيخ نموذجها العلماني، تجد نفسها أمام معادلة دقيقة تتمثل في حماية حرية المعتقد والممارسة الدينية من جهة، ومنع توظيف الدين في الصراعات السياسية والتنافسات الإقليمية من جهة أخرى.
تستند العلمانية الأذربيجانية إلى الإطار الدستوري الذي يحدد طبيعة الدولة وعلاقتها بالدين. فدستور أذربيجان، الذي أُقر عام 1995، ينص على أن جمهورية أذربيجان دولة ديمقراطية وقانونية وعلمانية وموحدة. كما يؤكد حرية الضمير، ويكفل حق الفرد في تحديد موقفه من الدين، وممارسة الشعائر الدينية، أو عدم اعتناق أي دين. ويعكس هذا الإطار الدستوري رؤية الدولة الأذربيجانية للعلاقة بين المؤسسات العامة والمؤسسات الدينية، إذ لا تقوم شرعية الدولة على أساس ديني، ولا يُفترض أن يخضع نظامها السياسي أو التعليمي لسلطة المؤسسات الدينية. وتُعد هذه القاعدة من الركائز التي يستند إليها نموذج أذربيجان في إدارة التنوع الديني والحفاظ على استقلال مؤسسات الدولة. إلا أن العلمانية في أذربيجان لا تعني اختفاء الدين من الحياة الاجتماعية، ولا تعني بالضرورة تبني المجتمع نمطًا ثقافيًا منفصلًا عن التقاليد الإسلامية. فهناك فرق بين علمانية الدولة وبين طبيعة التدين لدى المواطنين؛ إذ يمكن للدولة أن تفصل مؤسساتها عن السلطة الدينية، بينما يحتفظ المجتمع بمظاهر متنوعة من التدين، تشمل ممارسة الشعائر الدينية، والاحتفال بالمناسبات الإسلامية، وزيارة المساجد والمزارات، والالتزام ببعض التقاليد الدينية والاجتماعية. ومن ثم، فإن فهم قضية الحجاب يتطلب التمييز بين المبدأ الدستوري الذي يكفل حرية المعتقد، والقواعد التنظيمية التي تحكم المؤسسات العامة، وبين الممارسات الاجتماعية التي تعكس اختيارات الأفراد وأسرهم. فهذه المستويات الثلاثة ليست متطابقة بالضرورة، وقد تنشأ بينها خلافات عندما تسعى الدولة إلى توحيد قواعد المظهر والسلوك داخل المؤسسات التعليمية.
أثارت قواعد الزي المدرسي في أذربيجان نقاشًا حول مدى توافق متطلبات الزي الموحد مع رغبة بعض الطالبات في ارتداء الحجاب. وتكمن حساسية المسألة في أن الزي المدرسي يُقدَّم باعتباره أداة لتحقيق المساواة والانضباط داخل المؤسسات التعليمية، بينما يرى البعض أن الحجاب يرتبط بحرية المعتقد والحق في التعبير عن الهوية الدينية. ويمكن تبرير توحيد الزي المدرسي بالسعي إلى الحد من الفوارق الاجتماعية بين الطلاب، وتوفير بيئة تعليمية محايدة، ومنع تحول المدارس إلى ساحات للتنافس في إظهار الانتماءات الاجتماعية أو الدينية. لكن الإشكالية تبدأ عندما يُفسَّر الزي الموحد بطريقة تمنع ارتداء الحجاب. ففي هذه الحالة، يبرز السؤال عن الحدود الفاصلة بين سلطة الدولة في تنظيم المؤسسات التعليمية وحق الطالبات في ممارسة حريتها الدينية. ومن الأهمية التمييز بين وجود قواعد للزي المدرسي وبين وجود حظر قانوني شامل للحجاب. فليس كل تنظيم للزي يعني بالضرورة حظر الحجاب في جميع المؤسسات التعليمية، كما أن القواعد المطبقة في المدارس لا تطبق في الجامعات أو أماكن العمل أو الفضاء العام.
يقتضي التقييم الدقيق للقضية الرجوع إلى النصوص القانونية واللوائح المدرسية، والتمييز بين القواعد الرسمية والممارسات الإدارية، وبين القيود المفروضة على الزي داخل المدارس والحقوق الدينية في المؤسسات الأخرى. كذلك عدم الخلط بين الجدل الاجتماعي بشأن الحجاب وبين وجود نص دستوري يحظر ارتداءه، إذ لا يكفي وجود خلاف حول تطبيق الزي الموحد لإثبات وجود حظر دستوري عام.
تتميز أذربيجان بخصوصية تاريخية وثقافية تجعل العلاقة بين الدين والمجتمع مختلفة عن بعض النماذج الأخرى في العالم الإسلامي. فقد تأثرت البلاد بقرون من التاريخ الإسلامي، وبالتقاليد الفارسية والتركية، ثم بالتجربة الإمبراطورية الروسية، قبل أن تصبح جزءًا من الاتحاد السوفيتي، الذي اتبع سياسات صارمة تجاه المؤسسات الدينية في مراحل مختلفة من تاريخه. وقد تركت التجربة السوفيتية آثارًا عميقة في تشكيل المجتمع الأذربيجاني، وأسهمت في ترسيخ حضور التعليم المدني والعلوم الحديثة ومؤسسات الدولة غير الدينية. وبعد إعادة استقلال أذربيجان عام 1991، شهدت البلاد عودة ملحوظة للمظاهر الدينية، وإعادة بناء المساجد، وازدياد الاهتمام بالتقاليد الإسلامية لدى شرائح من المجتمع. ومع ذلك، لم يختفي الطابع العلماني للدولة أو تحول المجتمع كله إلى نمط واحد من التدين. فالمجتمع الأذربيجاني متنوع في مواقفه من الدين، كما تتباين أنماط التدين بين المدن والمناطق، وبين الأجيال، وبين الأسر والأفراد. ولذلك فإن التعامل مع الحجاب باعتباره مواجهة بين العلمانية والإسلام قد يؤدي إلى تبسيط واقع اجتماعي أكثر تعقيدًا. فالتحدي الحقيقي يتمثل في إدارة الاختلاف داخل المجتمع، وضمان ألا يتحول أي من المظهر الديني أو الموقف العلماني إلى معيار لإقصاء المواطنين أو التشكيك في انتمائهم الوطني.
كما تكتسب قضية الحجاب بعدًا إضافيًا في أذربيجان بسبب موقعها في منطقة تتقاطع فيها المصالح الإيرانية والتركية والروسية. فالدولة ليست مجرد مجتمع ذي أغلبية مسلمة، بل هي أيضًا دولة تسعى إلى الحفاظ على استقلالها السياسي والثقافي في بيئة إقليمية شديدة الحساسية. فأذربيجان تضم أغلبية مسلمة ذات خلفية شيعية تاريخية، إلى جانب السنة، فضلًا عن أقليات دينية تشمل المسيحيين واليهود وغيرهم. ولا تعني هذه التركيبة أن الانتماءات المذهبية تحدد بالضرورة المواقف السياسية للمواطنين، لكنها تجعل إدارة التنوع الديني أحد الاعتبارات المهمة في سياسات الدولة. وتسعى أذربيجان إلى عدم تحول المؤسسات الدينية إلى قنوات للتنافس الإقليمي.
تحتل المرأة موقعًا مهمًا في المجتمع الأذربيجاني، الذي شهد مبكرًا تطورات في التعليم والمشاركة العامة للنساء. وقد ارتبطت صورة المرأة الأذربيجانية الحديثة بمشاركتها في التعليم والعمل والثقافة والحياة العامة، وهي جوانب تسعى الدولة إلى تعزيزها ضمن مشروعها للتحديث والتنمية. ولذلك فإن العلمانية في أذربيجان تحاول إيجاد مساحة للتوازن بين قيم المجتمع وتقاليده، وبين الحرية والمساواة وبناء علاقة متوازنة بين الدولة والمواطنين والمؤسسات الدينية.
تعد قضية الحجاب في مدارس أذربيجان اختبارًا لقدرة الدولة على التوفيق بين ثلاثة اعتبارات أساسية "الحفاظ على استقلال المؤسسات التعليمية، صون الحريات الدستورية، حماية المجتمع من الاستقطاب والتدخلات السياسية الخارجية". ويظل نجاح النموذج الأذربيجاني رهن القدرة على تحقيق هذه المعادلة بدون التضحية بأي من عناصرها الأساسية؛ فالعلمانية الأكثر استقرارًا ليست تلك التي تتعامل مع الدين باعتباره تهديدًا دائمًا، وإنما تلك التي تضمن حرية المعتقد، وتحافظ على حياد مؤسسات الدولة، وتمنع توظيف الدين في الإكراه أو الصراع السياسي، وتُبقي المواطنة المشتركة أساسًا للعلاقة بين الدولة والمجتمع.